تحدثت الصحف الامريكية مؤخرا عن مشروع نظام الدفاع الصاروخي الذي سبق وان طرحته ادارة الرئيس الامريكي بيل كلينتون منذ اشهر قليلة وقيل وقتها ان الهدف منه هو حماية الاراضي الامريكية ، من ضربات محتملة قد توجهها اليها احدى القوات النووية الدولية مستقبلا ولكن المشروع قوبل بمعارضة من دول الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين لأن هذه الدول اعتبرت المسوغات التي قدمتها الولايات المتحدة الامركية من ان المشروع الدفاعي يهدف الى تعزيز الامن الدولي هي مسوغات تتعارض مع ما كانت تصرح به الولايات المتحدة الامريكية مباشرة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بقولها انها ستعمل على بناء عالم خال من الاسلحة البالستية ويكون مجال المنافسة فيه بين الدول على الاقتصاد والتكنولوجيا وتتعاون فيه دول العالم على مواجهة التحديات الدولية الجديدة كمشكلات البيئة والفقر والارهاب وتزايد الانفجار السكاني. ومثل هذه المشكلات التي طرأت على الحياة الدولية الجديدة كان برأي القوى الدولية ان الولايات المتحدة الامريكية ستوليها اهتماما في سياستها الدولية الا انها تفاجأت بالاعلان الامريكي عن النظام الدفاعي مع ان الولايات المتحدة الامريكية كانت تطالب ولا تزال القوى العسكرية الاخرى بإيقاف برامجها العسكرية المستقبلية بحجة ان ذلك يتعارض مع السياسة الدولية لفترة ما بعد الحرب الباردة! وكانت روسيا من اوائل الدول التي عبرت عن استنكارها للمبادرة الامريكية خصوصا ان المبادرة تزامنت مع تصديق البرلمان الروسي على معاهدة (ستارت2) الخاصة بتحديد سقف الاسلحة البالستية طويلة المدى والتي اعتبرتها الولايات المتحدة اي الاتفاقية انتصارا استراتيجيا يضاف الى انتصاراتها السابقة على الامبراطورية الشيوعية السابقة بل انها اعتقدت انها اكلمت اخر مرحلة من مراحل صراعها مع الاتحاد السوفييتي بتصديق روسيا على اهم اتفاقية في تاريخ العلاقات الامريكية الروسية. ولم تنتظر الولايات المتحدة الامريكية طويلا لكي تفصح عن انها اصبحت القوة الوحيدة التي تتوافر على عناصر قيادة العالم فجاء الاعلان عن المشروع الصاروخي عن اراضيها والذي هدفت منه تمرير رسالة للقوى العسكرية الدولية كالصين وروسيا ودول الاتحاد الاوروبي مفادها ألا تتجاوز هذه القوى الخطوط الحمراء, اذا تعلق الموضوع بإدارة العلاقات الدولية الراهنة, لان تجاوز هذه القوى للدور المسموح لها به ان تؤديه في النظام الدولي الجديد الذي تنفرد به الولايات المتحدة الامركية يعني فيما يعنيه بالنسبة للولايات المتحدة ان مصالحها ستصبح محل مساومة وهذا ما لا تقبله الولايات المتحدة خاصة ان قوى صاعدة كالصين واليابان تنافس امريكا على مواقع اقتصادية حساسة في مناطق النفوذ الامريكي. اما اذا لم تلتزم هذه القوى بالقواعد الدولية للعالم الجديد الذي تشرف الولايات المتحدة الامريكية على ادارته فإن هذه الاخيرة تمتلك المقدرة العسكرية ووسائل الردع الاخرى التي تؤهلها لاحتواء هذه القوى وتضييق الخناق عليها دوليا. وتتخوف الولايات المتحدة فعلا من تنامي القدرات العسكرية والاقتصادية للقوى الدولية خاصة القوى الصاعدة كالصين مثلا التي تعاظم دورها ومكانتها في السنوات الاخيرة بفضل ما توصلت اليه من خبرة تكنولوجية في بناء الصواريخ بعيدة المدى والتي تتخوف الولايات المتحدة من انها قد تكون قادرة على اصابة اهداف في العمق الاستراتيجي الامريكي. فالصين يتخوف الخبراء الامريكان من انها قد تملأ الفراغ الاستراتيجي الناجم عن تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وربما تتجاوز خطورتها على المصالح الامريكية في العالم خطورة روسيا ودول الاتحاد الاوروبي. اما روسيا فهي ليست في وضع يؤهلها لان تنافس الولايات المتحدة على ادارة النزاعات الدولية وظهر ذلك من فشلها في تسوية النزاع في كوسوفو والنزاع في الشرق الاوسط فضلا عن انها تعيش مشكلات اقتصادية وأمنية كان لها الاثر الواضح على قدراتها العسكرية والدبلوماسية بل يمكن ان نجزم ان تصديقها على اتفاقية (ستارت 2) لم يكن على اساس انها ترغب في احلال السلم الدولي في الحياة الدولية الجديدة بل ان السبب الرئيسي يتمثل في ان روسيا تريد ان تتودد للولايات المتحدة وتتقرب اليها اكثر حتى ولو كان هذا التقرب على حساب امنها الداخلي وعقيدتها العسكرية التي تجبرها على ابقاء سقف معين من المقدرة النووية للحفاظ على هيبة روسيا الدولية او على الاقل هيبتها في محيطها الاقليمي حيث الجمهوريات السوفييتية سابقا والتي ترغب روسيا في الابقاء على نفوذها عليها مستقبلا, فروسيا بحاجة الى قروض مالية من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اليوم وتجد معارضة من الهيئات المالية هذه كل مرة تطلب منها المساعدة لمعالجة الخلل في ميزان المدفوعات الروسي. لاجل ذلك صادقت على الاتفاقية لكي تتوسط لها الولايات المتحدة لدى الهيئات الدولية بعد ان تكون اقتنعت من ان روسيا قد التزمت فعلا بالشروط الامريكية اولها: تحديد وتخفيض في سقف الاسلحة النووية والبالستية, وثانيا: الالتزام بمبادئي الليبرالية والديمقراطية وحقوق الانسان في الحياة السياسية في روسيا. كما ان روسيا لا تنوي الاتفاق اكثر على البرامج والمشاريع العسكرية الكبيرة لان ميزانيتها غير قادرة ان تغطي تكلفتها وقد كان الرئيس الروسي الجديد واضحا عندما صرح بأن الاولوية بالنسبة اليه هي تحسين الوضع المعيشي للمواطن الروسي قبل اي شيء ومعنى ذلك ان الامن الاقتصادي بالنسبة اليه يسبق الامن العسكري في توجهات روسيا المستقبلية. اما دول الاتحاد الاوروبي فهي الاخرى استنكرت المشروع الامريكي وخصوصا فرنسا القوة النووية الاوروبية التي تقود التوجه الاوروبي نحو تحقيق الاستقلال الامني والعسكري عن الولايات المتحدة الامريكية لانها تعتقد انه لم يعد اي جدوى للدول الاوروبية في ان تحتمي بالولايات المتحدة الامريكية بعد ان زال الخطر الشيوعي الذي شكل تهديدا عليها لمدة جاوزت الاربعين سنة واكثر من ذلك كله تستطيع اوروبا الموحدة اليوم الدفاع عن امنها لوحدها لانها تمتلك المقدرة العسكرية لحماية امنها, فالمشروع الامريكي برأي الدول الاوروبية انما جاء لتطويق واحتواء اوروبا عسكريا ومنعها من لعب اي دور دولي في العلاقات الدولية وهذا ما قاله وزير الخارجية الفرنسي روبير فيدرين عندما التقى وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت بل انه اعلن ان فرنسا ودول الاتحاد الاوروبي ستؤسس قوة عسكرية اوروبية موحدة للرد السريع لمواجهة التحديات والمخاطر على الامن الاوروبي في المستقبل. وتقود فرنسا وألمانيا المشروع الاوروبي الذي رفضته الولايات المتحدة عندما اعلنته دول الاتحاد الاوروبي في اجتماع الحلف الاطلسي الذي تقرر توسيعه جنوبا حيث دول جنوب اوروبا لذلك ستعمل دول الاتحاد الاوروبي ومعها الصين وروسيا على محاولة افشال المشروع الامريكي الذي يستهدف احتواءها وابقاءها تحت المظلة الامريكية لكي لا يكون لها ــ اي هذه الدول ــ اي فاعلية دولية في النظام الدولي الجديد الذي تنفرد به الولايات المتحدة الامريكية اليوم.