هذا هو السؤال الذي سوف تحرص لجنة تقصي الحقائق الدولية في الصدامات الاسرائيلية الفلسطينية على عدم البحث عن اجابة له. فالغرض الذي من اجله شكلت اللجنة هو تمييع القضية باستبعاد اي طريق للتحري يمكن ان يقود عند نهاية المطاف الى ادانة اسرائيل. ابتداء.. هذه اللجنة (الدولية) ابعد ما تكون عن الصفة الدولية بمعنى الاستقلالية والحياد النزيه. هي لجنة امريكية مئة في المئة بالرغم من انها تضم في عضويتها شخصيات غير امريكية. فتشكيل عضوية اللجنة وتعيين رئيسها امر انفردت به تماما الادارة الامريكية وحدها. ولهذا فإن مرجعية اللجنة ليست الامم المتحدة وانما البيت الابيض. اللجنة تتكون من خمسة اعضاء بينهما امريكيان احدهما رئيس اللجنة السيناتور جورج متشيل. اما الثلاثة الباقون فهم خافيير سولانا مفوض الشئون الخارجية في الاتحاد الاوروبي وسليمان ديميريل رئيس تركيا السابق ووزير خارجية النرويج ياجلاند ثوربيورن. لقد اخذ الرئيس الامريكي بيل كلينتون ورقة وقلما.. وبمشورة من مساعديه سطر هذه الاسماء. ومن اول وهلة تستطيع ان تستخلص المغزى السياسي لتشكيل اللجنة اذا توقفت عند كل اسم على حدة. فرئيس اللجنة متشيل يكفي انه سيناتور امريكي.. وكذلك زميله السيناتور الآخر وارين رودمان. وخافيير سولانا يتبنى بالطبع الموقف الرسمي للاتحاد الاوروبي تجاه الصدامات في الارض المحتلة.. وهو موقف يساوي بين الجلاد والضحية مع الحرص على اجهاض الانتفاضة. ورئيس تركيا السابق لا يزال رغم ابتعاده عن السلطة حاليا احد اعضاء الطبقة الحاكمة التركية التي تدعو الى شراكة استراتيجية بين تركيا واسرائيل ضد سوريا والعراق والعرب عامة. ووزير خارجية النرويج هو ممثل الدولة التي رتبت لمؤامرة (اوسلو) بجمع رجال عرفات مع عدد من الشخصيات اليهودية الامريكية النافذة في العاصمة النرويجية اوسلو عام 1993. ان فكرة اللجنة فلسطينية اصلا. فقد طالب بها عرفات خلال المرحلة الاولى المبكرة لاندلاع الانتفاضة. لكن التصور الفلسطيني كان يقتضي ان يتم تشكيل اللجنة بواسطة مجلس الامن الدولي ويتم انتقاء رئيسها واعضائها من بين شخصيات مشهود لها بالحياد والنزاهة. وبناء على التصور الفلسطيني ايضا تبحث اللجنة في جذور المصادمات الاسرائيلية الفلسطينية بغية التوصل الى تحديد من هو المعتدي تمهيدا لاتخاذ اجراءات دولية ضده. لكن الرئيس الامريكي, مستبعدا الامم المتحدة تماما ومستبقا تحركها فاجأ العالم باعلان اسماء لجنة كقرار امريكي صرف ومن الرؤية الامريكية المنحازة بصورة فاضحة الى اسرائيل. وهذا مما يفسر لنا لماذا استقر رأي القادة الاسرائيليين اخيرا على الترحيب باللجنة بحماسة مريبة. لقد باشرت اللجنة عملها بالفعل هذا الاسبوع بعقد لقاءات مع كل من الجانب الفلسطيني والجانب الاسرائيلي بالاضافة الى لقاءات في القاهرة وعمان (لبحث اسباب الصدام). واسترشادا بطريقة تشكيل اللجنة وكون انها تمثل ارادة رئيس الولايات المتحدة كمرجعية لها فإنه ليس من الصعب ان نستقرىء منذ الآن الخط العام لتقريرها النهائي (الذي سوف ترفعه الى الرئيس الامريكي). سوف تتوصل اللجنة الى لوم الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي على حد سواء (نظرية المساواة بين الضحية والجلاد). سوف تقول انه بقدر ما كانت زيارة الجنرال شارون الى باحة المسجد الاقصى الشريف استفزازا للفلسطينيين كان رد الفعل الفلسطيني مستفزا لقوات الشرطة الاسرائيلية. ان الوجود الاسرائيلي في الضفة وغزة في كل الاحوال وجود احتلالي استعماري ضد شعب يريد الاستقلال. هذه هي الحقيقة الاساسية البسيطة التي سوف تسقطها اللجنة نهائيا من تقريرها.