(.. يتاح قريبا كما يتوقع أهل الاختصاص أن تنشأ وكالات لتأجير الاقمار الاصطناعية التجسسية نفس بساطة تأجير السيارات..) ما أبعد الشقة والاختلاف بين مخابرات زمان وجاسوسية اليوم: زمان كانوا يستخدمون ماء البصل واحيانا نفايات الحمام الزاجل أو غير الزاجل لكى يضعوا نوعا من الحبر السرى الذى كانوا يكتبون به الرسائل المتبادلة بين الجواسيس.. والغريب أن هذه الوسائل البدائية كما أصبحت تعرف فى معاجم الجاسوسية ظلت تستخدم لفترة طويلة حتى فى أيام الحرب الباردة التى ظلت مشتعلة بين المعسكرين الشرقى والغربى على مدى 50 عاما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية فى عام ,1945 ولدرجة أن بعض هذه الوسائل كما يقول خبراء المخابرات كان بعضها يبدو وكأنه خارج من أحد مشاهد أفلام لوريل وهاردى الكوميدية الساذجة. من ذلك مثلا ماكانت تلجأ إليه المخابرات المركزية الأمريكية خلال الحرب الباردة فى غمار لهفتها على معرفة الأسرار, أى الأسرار ينطوى عليها اللغز الكبير الذى حمل اسم الاتحاد السوفييتى وفى تلك المرحلة لم يتورع الجواسيس الأمريكان عن اطلاق بالونات ساذجة عبر المجال الجوى الروسى وكانت تحمل بين طياتها كاميرات كانوا يأملون من ورائها أن توافيهم بصور لما يجرى, أو بعض ماكان يجرى عند الخصوم السوفييت. ولا حاجة الى القول بداهة أن معظم هذه المحاولات باءت بفشل ذريع كانت جديرة بأن تمنى به عندما دمر كل شيء: البالونات فرقعت والكاميرات تحطمت ولم يبق من هذا كله شيء يذكر ولكن بقيت لهفة الخصم وكل خصم على أن يسترق السمع ويختلس النظر الى حيث يعرف عن خصمه أدق الأسرار وأخطر المعلومات. وما أبعد الفرق اذن بين كاميرات البالون المفرطة السذاجة, وبين كاميرات اليوم المحمولة على متن الأقمار الاصطناعية أو المركبة فى هيكل تلك الأقمار التى أصبح بوسعها كما يقول البروفيسور لوسن جونسون أستاذ علم السياسة فى جامعة جورجيا الأمريكية, وقد احلنا الى دراساته فى مثل هذه الأحاديث ان تحيل الطرف بعدساتها السوبر فعالة فى أركان الكرة الأرضية مخترقة ستور السحاب ونافذة من خلال سجف الظلام, يعنى ببساطة آناء الليل وأطراف النهار لكى تسجل لقطات غاية فى الوضوح والدقة والتفاصيل تقص مايريد أصحابها أن يعرفوه عن أسرار (الآخر).. فضلا عن اختصار الزمن المستغرق فى تجهيز واظهار هذه الصور الملتقطة من أعالى الفضاء لمشاهد وأوضاع ومنشآت فوق أركان المعمورة فى الماضى كانت عملية التجهيز تستغرق أسابيع فأصبحت بعد اختصارها ورفع كفاءتها لا تستغرق سوى دقائق معدودات. السمع والبصر والفؤاد ويقف المرء اجلالا أمام دقة التعبير القرآنى الكريم حيث يشير إلى المسئولية عن السمع والبصر والفؤاد.. وإذا كان الفؤاد يحيل الى الذهن والفكر والحساب العقلانى وأيضا الى التصور والاعتقاد.. وكلها وسائل وملكات تستخدم فى تدبير النفاذ الى الأسرار فى تفسيرها وتحليلها وفى تقدير الموقف على أساسها.. وإذا كان الاخوة المخابراتيون قد نجحوا بكل هذه الدقة التى المحنا إليها فى سرعة الحصول على الصور التى تجعل البصر نافذا إلى اسرار العدو.. فإن الأمر لا يستغنى قط عن السمع كى تستكمل المنظومة التى أشار اليها الكتاب الكريم وربطها بمسئولية الإنسان. ولقد تطورت بدورها وسائل استراق السمع واستخدام أدوات التصنت أو التنصت إلى أن وصلت إلى حدود غريبة حسب المقاس المطلوب منها مايكون ضخما ليصل الى حجم ملعب كرة قدم! ومنها مايدق ويتناهى فى الصغر ليصل الى حجم رأس الدبوس ناهيك عن استخدام تكنولوجيا أشعة الليزر حيث توصلت التكنولوجيا المعاصرة الى وسيلة اطلاق شعاع الليزر الى حافة شباك فى هذه الغرفة أو تلك وهو مايكفل توصيل مايدور فى تلك الغرفة من أحاديث ومجادلات وحوارات الى آذان المستمع. وكم كانوا ينصحون الناس.. خاصة أهل حرفة المخابرات أو كبار المسئولين الذين يحملون فى جعبتهم أسرارا خطيرة قد يكون فيها مساس بالأمن القومى لبلادهم أو للمؤسسات التى ينتمون اليها: وعندما كان هذا المستوى من المسئولين يزورون بلادا أجنبية كانت أول القواعد التى ينصحون باتباعها هى أن يفتحوا المذياع على العالى.. أو يفتحوا أصوات الصنابير لكى تحدث جلبة من جراء اندفاع مياهها فتغطى بنوع من الشوشرة مع ماقد يضطرون الى الدخول فيه من أحاديث. كل هذا لم يعد يجدى فتيلا فى ظل ماطرأ على تكنولوجيا التجسس فى زماننا من تطورات: طلقة الليزر التى ذكرناها كفيلة بأن تنفذ الى أغوار الأحاديث الدائرة وتكنولوجيا التنقية الصوتية (التراكات) كفيلة بأن تمارس دورها من بعد فإذا بها تفصل أصوات الصخب أو الشوشرة وتقوم باستبعادها فيما تبقى على الحديث الهدف لكى يصل إلى الاسماع سليما بالتمام والكمال.. ويومئذ لا ينفع لا صوت الراديو ولا صخب الصنابير. نفس التقدم تم تحقيقه فى دنيا التنكر من حيث أدوات المكياج ووسائل التمويه والتغيير المؤقت لملامح الوجه ومن حيث وسائل التواصل بين الجاسوس وبين ضابط أو ضباط الكونترول القائمين على ادارته أو توجيه حركته, وخاصة مابين محطة الاستخبارات والموقع الميدانى فى البلد الأجنبى الذى يتواجد فيه السيد الجاسوس - وقد تبلغ هذه التكنولوجيا الا ستخباراتيه شأوا بعيدا بل وغريبا. يدعو البروفيسور جونسون وهو الأكاديمى المحترم الى ان يقول ان كسر الاقفال وفض الاختام وفتح الخطابات ومظاريفها ومغلفاتها كل هذا أصبح فى رجل الدكتور جونسون (علما) يدرس باحترام شديد من جهة, فيما أصبح من جهة ثانية فنا يمارس بدقة أشد ربما بما يفوق الوسائل المستخدمة فى هوليوود. بهذا حق للبعض أن يتباهى معتزا بما وصل اليه تقدم التكنولوجيا فى مجال الجاسوسية ولكن هناك من يقف عند الجانب الآخر من المعادلة محذرا من أن التكنولوجيا شأنها فى ذلك شأن أى تطبيق علمى بسلاح ذي حدين.. تنطوى على خير مؤكد بقدر ماقد تنطوى على آثار جانبية أو سلبية فى نفس الوقت. والمسألة بسيطة.. فحين تطور دولة ما وسائل تكنولوجية متقدمة للتجسس على أسرار خصمها فإن هذا الخصم لن يتورع وهو الامر الطبيعى عن تطوير أساليب تكنولوجية ربما أكثر تقدما وتعقيدا وكفاءة لتفادى هذا النوع من التجسس وربما لشن أنواع أخطر للنفاذ الى أسرار الآخرين. تجربة الهند الذرية وهناك مثل أصبح ذائعا ومشهورا رغم أن عمره لا يزيد على أشهر معدودات. مثل قدرة دولة ما على تفادى أساليب التجسس السوبر متقدمة على أدق أسرارها هذا المثل هو الهند التى فاجأت العالم. ولا سيما أجهزة مخابرات الغرب أمريكا بالذات حين أجرت تجربتها النووية فى عام 1999 وكل مافعله الأصدقاء الهنود هو أن رصدوا نوبات دورات كاميرات الأقمار الاصطناعية فوق سماواتهم وهى كاميرات التجسس الغربية بالدرجة الأولى.. وبعد هذا الرصد عرف الهنود بدقة محسوبة موعد مرور كاميرات التجسس فوق موقع بوخاران فى صحراء راجاسفان الهندية وكانت وتيرة هذا المرور هو ثلاثة أيام حرص بينها العلماء الهنود بمهارة شديدة على اجراء عمليات تمويه كاموفلاج على استعداداتهم للاختيار الذرى.. وعندما جاءت نوبة المرور لم تسجل الكاميرا الجاسوس نشاطا نوويا يذكر أو يجدر رصده.. و بعدها باغتت الهند عالمها بهذه العملية الكبيرة والخطيرة. (طبعا نحن نتناول الموضوع هنا من الزاوية الفنية البحتة ومن حيث علاقته المنطقية بسياق المبحث الذى نعرض له فى هذه السطور ولا صلة بين هذا التناول وبين رأينا فى مدى مشروعية اجراء دع عنك انتشار التجارب والاختبارات النووية). جاسوسية قطاع خاص ان هذا التقدم التكنولوجى فى وسائل التجسس مالبث أن تحول الى دنيا السوق والاقتصاد والتداول التجارى بعد أن كانت أقمار التجسس الاصطناعية ومافى حكمها من وسائل متقدمة حكرا على الحكومات, بل الحكومات الثرية بالذات, بدأت أسواق التداول التجارى فى الآونة الأخيرة تشهد تطور صناعة الرقابة التجسسية التجارية. وفى عام 1999 بالذات اطلقت شركة التصوير الفضائى الامريكية قمرا اصطناعيا للرصد والتجسس التجارى وحمل اسم (ايكونوس الثانى) ومهمته ان يطرح فى الأسواق (التجارية) صورا غاية فى الدقة ومسهبة فى التفاصيل حول مواقع شتى فى الكرة الأرضية وهى متاحة لمن يكون ضمن اهتماماته أو من مصلحته شراؤها سواء بالنقد أو ببطاقات الائتمان العادية. ويرتبط بهذا التقدم مخططات التوسع فى هذا النوع من نشاط الاقمار الفضائية التجارية الى أن يتاح قريبا كما يتوقع أهل الاختصاص فى هذا المضمار أن تنشأ وكالات لتأجير هذه الأقمار التجسسية الاصطناعية بنفس بساطة تأجير السيارات سواء بسواء لا عجب أن تلهث مواقع التخصص فى العالم لانجاز عملية التحول الى التكنولوجيا الرقمية (ديجتال) حيث يصار الى استخدام خيوط الاتصال والبث الضوئية (أوبتيكال) تحت الأرض وتحت البحر وترجع أهميتها الى صعوبة اعتراضها والنفاذ إلى أسرارها أو التجسس على ماتبثه من رسائل. ضغوط على حكومة واشنطن من ناحية أخرى دخل عامل الربح التجارى بكل قوة فأدى الى السماح بعد طول انتظار بتصدير أحدث وأدق أجهزة فك الشفرات واستخدام الحاسوب من أجل حل أعقد هذا النوع من الرسائل الرمزية (الكورية) التى طالما كانت واحدا من متاريس الدفاع التى كان يحتمى وراءها مجتمع الجواسيس فى العالم. الذى حدث أن ادارة كلينتون فى أمريكا تعرضت لضغوط شيء من جانب صناعة انتاج برمجيات فك الشفرات واستهدفت الضغوط رفع قرارات الحظر على تصدير هذه البرمجيات الحاسوبية الى الخارج.. مما خلق صعوبات جديدة أمام أجهزة الأمن والاستخبارات وجمع وتحليل المعلومات داخل الولايات المتحدة وعلى الجانب الآخر من الأطلسى, ظل الاتحاد الأوروبى رافضا تصدير برمجياته الالكترونية المتقدمة الى بلاد العالم الأخرى الى أن رضخت قيادته مؤخرا لضغوط منتجى هذه البرمجيات وبدأت عمليات التصدير, ومعنى هذا أن يحصل هؤلاء المنتجون الأمريكيون والأوروبيون على أموال طائلة وموارد غاية فى الثراء.. ومعناه فى الوقت ذاته أن يضطر رؤساء وكالات الاستخبارات ومن فى حكمهم (سباى ماسترز كما يسمونهم) الى حشود ورصد موارد واعتمادات طائلة بدورها لتطوير أساليبهم الالكترونية فى معظمها لجمع المعلومات وفك الشفرات وكسر الرموز الكودية ومكافحة مايكون الخصم الآخر قد توصل اليه فى هذا المضمار.., ولا يخبو لها لهيب.. وكلها من تحت السطح وربما من خلف ابتسامات النفاق التقليدية التى عادة ماتغلف الحقيقة المريرة فى العلاقات الدولية. مصادر المعلومات العلنية وفى مقابل المعلومات السرية التى تودع بين طيات الرمز أو الشفرة ويحتاج الوصول اليها أو الاطلاع عليها جهود حقيقية ومتواصلة من أجل فك الرموز والنفاذ إلى أسرار الشفرة, هناك المصادر العلنية التى تعد من أهم مصادر المعلومات عن الخصم. وتلك مفارقة معروفة جيدا فى عالم جمع المعلومات الغريب, لدرجة أن 85 فى المئة من المعلومات المجموعة والمتداولة خلال حقبة الحرب الباردة كانت من تلك المصادر العلنية, فيما جاءت نسبة الـ 15 فى المئة المتبقية من المصادر التحتية المكتومة وطبعا اقتضى الحصول عليها استثمارات باهظة فى مجال انشاء وادارة شبكات التجسس بما يشمله ذلك من تجنيد العملاء والسيطرة عليهم وتحريك أنشطتهم وتدريبهم وتزويدهم بأحدث أجهزة التصوير والتصنت والاتصال.. واختلاق أغطية علنية لستر نشاطهم التجسسى.. ثم وضع اجراءات تحوطية أو احترازية من أجل تأمينهم.. الخ على أن المصادر العلنية للمعلومات لا تقتصر على تلك المنشورة فى الصحف والمجلات أو المذاعة على موجات الأثير بالصوت وبالصورة. هناك أيضا مايسمى فى دنيا التجسس باسم (المصادر الرمادية) وهى كما يتضح من اسمها مصادر بين.. بين: لا هى علنية بمعنى مذاعة ومتداولة بين القاصى كما يقولون والدانى ولا هى سرية لا يعلم بها سوى دائرة مغلقة أو شبه مغلقة من المشاركين أو المسئولين وفى معرض التفسير, يضرب البروفيسور جونسون مثالا من عنده حول ملاحظات يدلى بها افتراضا رئيس دولة معارضة أو مشاغبة فى اجتماع سياسى معقود فى اللجنة الحزبية فى عاصمة بلاده طبعا اذا كان الاجتماع مذاعا على الهواء.. يصبح المصدر علنيا ولا يقتضى سوى جهد التسجيل والترجمة وبعدها تصبح المعلومات قيد التحليل وتقدير الموقف. واذا كان الاجتماع تحت الأرض أو مقصورا على دائرة مغلقة فى مكتب سياسى رفيع المستوى ولا تصدر عنه أى بيانات بأى شكل فتلك معلومات سرية تقتضى جهدا تجسسيا من النوع التقليدى لكن المعلومات الرمادية التى المحنا اليها معناها أن الاجتماع المفترض المذكور حدث فى مناسبة علنية ونشرت الميديا العلنية عن وقوعه وعن حضور القائد فيه وعن ملاحظات أدلى بها فى سياقه, وقد يصدر بذلك بيان يلخص مجريات الأمور داخل الاجتماع. هنا يكون المطلوب الحصول على نص الملاحظات وأسلوب الادلاء بها ومدى الاستجابة اليها من جانب الحاضرين.. الذين قد يكون مطلوبا كذلك معلومات عنهم.. العدد.. الشخصيات الانتماءات.. الخ.. ورغم أن الاجتماع كما اسلفنا كان معلنا الا أن الحصول على المعلومات التى ذكرناها قد يقتضى جهودا أقرب الى العمل السرى.. أو هى بغير مواربة جهودا تجسسية بالدرجة الاولى. والمعنى هنا هو ضرورة التكامل المتواصل بين المصادر العلنية والمصادر السرية.. وفى هذا السياق يقول رأى كلاين وهو من الخبراء والثقات فى مجال جمع المعلومات وكان نائبا لمدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية: ان التجسس (العمليات السرية) أصبح فى عصرنا بمثابة عملية استقصاء دقيقة تهدف الى ملء الثغرات واضافة الحلقات المفقودة فى المعلومات, وهى الثغرات أو الحلقات التى لا يتسنى الحصول عليها من المصادر (العلنية) الأخرى. احراج فى بلجراد وأخيرا هناك مثل أكثر من دال.. بل هو مثل كلاسيكى يعبر تماما عن ضرورة التكامل بين العلني والسرى فى مجال المعلومات. هذا المثل أصبح متداولا فى عالم المخابرات.. وفيه يقول أصحابه: كم دفعت أمريكا ثمنا من جراء الاحراج الدولى أو الهجوم والانتقاد الذى تعرضت له عندما قصفت الطائرات الأمريكية سفارة الصين فى بلجراد عاصمة يوغسلافيا خلال الغارات التى شنها الأمريكان والغرب على نظام ميلوسيفتش فى صربيا. ولو كانت المخابرات المركزية بجلالة قدرها قد كلفت نفسها بشراء خريطة لشوارع بلجراد وحاراتها وأحيائها.. لقاء دراهم معدودة من أحد أكشاك العاصمة اليوغسلافية لوفرت على حكوماتها كل ماصادفها من احراج وانتقادات. وعندما جرى التحقيق فى الأمر.. اتضح أن المخابرات المركزية لا ترصد لحساب هذه المصادر العلنية والمهمة سوى نسبة أقل من ضئيلة ولا تتجاوز واحدا فى المئة من ميزانيتها الطائلة التى تصل إلى 30 مليارا من الدولارات. وإلى الجزء الأخير إن شاء الله