هل تحتملون حديثا عن المرض, كما تحتملون حديثا عن السعادة والسياسة وأحوال أهل الدنيا؟ خطر على بالي أن أتحدث عن المرض لانني صارعته فأوهنني كثيرا في الأيام الماضية, وهو كما يقول طبيبي الطيب ، يأتيني منضبطا في موعده هذا من كل عام, ولقد راجعت سجلي عنده فكشفت لي التواريخ انني ومنذ سنين أقع في المرض نفسه في هذا الوقت تحديدا, لانه كما يقول طبيب (الأنف والأذن والحنجرة) الموسم المعتاد لانتشاره. فماذا يعني أن تكون مريضا؟ بماذا تشعر وأنت تئن تحت وطأة حرارة قد تصل إلى 39 درجة؟ كيف تقرأ خارطة الوجوه وكيف تستقبل هواتف الآخرين؟ كيف تتذوق الحياة, والوقت وايقاع الأصوات والأضواء, وحتى ملمس الفراش الذي تنام عليه؟ عن نفسي لا أحب المرض أبدا ــ وبالتأكيد فلا أحد يحبه ــ لانه يوقعك في مأزق الحاجة للآخرين الذين قد يحتاجون كل شيء في تلك اللحظة إلا أنت أيها الإنسان الضعيف المريض! وبطبيعة الحال فكما لا أحبه لنفسي فلا أتمناه لكائن من كان, ولكنني أشعر بأن دخول الإنسان فيه واحساسه بحالة العجز والاحتياج, ثم اقترابه من حافة اليقين الداخلي بعدمية الأشياء, تجربة يحتاجها بين الوقت والآخر ليزداد يقينا ومعرفة بحدود العالم, وبمحدودية البشر المحيطين به! ويقينا فقد علمتني أيام المرض الكثيرة والشديدة التي مررت بها, بأن الشخص الوحيد القادر على الاقتراب منك بحب وبلهفة حينما تكون مريضا عاجزا, وأحيانا مملا وقد لا تطاق لشدة تبرمك ومتطلباتك وحساسيتك هي أمك, هذا الكائن الجميل الشفيف الذي يحتضن قلبك قبل جسدك, هي الوحيدة في هذا الكون التي تمرض فعلا لمرضك, وتتمنى صادقة أن ترتشف ألمك وهذه الحمى التي ترتع صاخبة في خلاياك, والآهات التي تطلقها في فترة هذيانك بين النوم واليقظة. أمك هي القنديل, وهي الزيت المقدس الذي يتدلى من علياء الخالق ليضيء ليالي مرضك. كما كان دوما ينير دروبك رضا ومحبة ودعاء. وخلال أيام المرض الماضية, وبينما يمر الوقت بطيئا كأنما يعتلي ظهر سلحفاة عجوز, أخذت أتصفح (قاموس الحكم والأمثال) فتوقفت عند باب (المرض) لأقرأ حكمة اسبانية تقول: (إلزم سريرك, وامرض, تعرف من يريد بك خيرا, ومن يريد بك شرا)!! أو بمعنى آخر تعرف من يحبك لانك أنت كائنا من تكون, ومن يتعامل معك كآلة انتاج للعمل والحكايات والمصالح وتمضية الأوقات. ولانك تشف وتترفع وترى بشكل أوضح في حالة المرض, فإن أهل الفلسفة والحكمة من سكان أثينا يؤكدون بأن (الإنسان لا يكون على جانب كبير من الفضيلة إلا عندما يكون مريضا). فهل هذا القول صحيح؟ في ظني ان الحمى التي تعصف بالجسد من قمة الرأس إلى أخمص القدمين والتي قد تقود إلى مشارف الموت أحيانا ــ لا قدر الله ــ هي كالنار التي تمتحن الذهب وتصفي منه الشوائب, فيتألق الإنسان في مرضه كما يشع الذهب في الظلام والوحل وفي كل الأحوال! ان الجسد المتطهر بالحمى والروح المغتسلة بالألم يصبحان في لمعان الذهب وصلابته خاصة بعد رحيل هذا الضيف (المرض) الذي يأتي مسرعا على ظهر جواد, ويذهب بطيئا على قدمين تاركا شفاهنا تتمتم: (اللهم عافنا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين).