حتى في الديمقراطيات تبقى المصالح سابقة على غيرها, وهو ما اخذته المحكمة الاتحادية الامريكية العليا في الاعتبار لدى اصدارها حكما اطاح بآخر آمال المرشح الديمقراطي آل جور في الرئاسة. طبعا المحكمة وجدت مسالك ومسوغات قانونية لحكمها وهبت لانقاذ الولايات المتحدة الامريكية اقوى دولة على وجه الارض من الشلل السياسي في عالم بات يغذ الخطا نحو مصالحه. فدول الاتحاد الاوروبي تجاوزت خلافاتها وأقرت آلية توسعها بعد ان مهدت الطريق لبناء قوة تدخل سريع اوروبية قد تصبح في المستقبل بديلا لحلف شمال الاطلسي.. وفي الوقت ذاته تتسارع المحاولات الروسية لمزاحمة واشنطن في الشرق الاوسط بشكل خفي من باب الملف العراقي, فيما تشتعل فلسطين بمواجهات تسخن الجبهة اللبنانية وتهدد باندلاع حرب جديدة في المنطقة. كل ذلك يحدث والقرار السياسي الامريكي اسير اروقة المحاكم بعدما تكشفت عيوب الثبات على قانون او تشريع في عالم متغير ومستجداته تترى. لابد ان استشعار جماعات المصالح وقوى الضغط في الولايات المتحدة وخطر تأخر اعلان الرئيس الجديد على المصالح الامريكية دفع المحكمة العليا لاصدار قرارها بسرعة قياسية لم تتكرر منذ قرنين. وفيما يستعد الجمهوريون إن انتهى المسلسل الدرامي على هذا النحو للاحتفال بتنصيب جورج بوش الابن رئيسا للولايات المتحدة, فإن ملفات عدة في انتظاره للتعامل معها بشكل يختلف عن اسلوب سلفه الديمقراطي بيل كلينتون. يتمثل ذلك في اختلاف النظرة من حيث وجوب عدم ترك الدعم الامريكي الاعمى لاسرائيل يتسبب في تهديد المصالح الامريكية في المنطقة وبالتالي ايجاد نوع من العلاقة المتوازنة مع اطراف الصراع العربي الاسرائيلي من دون اغفال سعة اضطلاع كلينتون على ملف هذا الصراع والاستفادة من خبرته. ويمثل اطفال العراق المحاصرون بالموت تحديا آخر لبوش الابن ما يضيف المسئولية الاخلاقية الى الضرورة السياسية لانهاء هذه المجزرة الجماعية البطيئة ضد الشعب العراقي.