مر أبو الطيب ذات يوم (بربع) اي بحي كان له فيه هوى فبكى واستبكى كما سبقه الى ذلك امرؤ القيس وسواه ممن سبقوه, ولكنه لم يقف عند هذا الحد بل طلب من خليليه ان (يسعداه) اي يساعداه بزيادة البكاء وقرب وفائهما له بكثرة بكائهما معه وحذرهما من لومه لأنه عاشق والعاشق أعق خليليه لائمه فقال: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه وما أنا إلا عاشق كل عاشق أعق خليليه الصفيين لائمه ثم لم يلبث ان عرّج ابو الطيب على الحكمة فقال حكمة ما زالت الى الآن تضرب مثلاً لكل مدع لما ليس فيه فقال: وقد يتزيا بالهوى غير أهله ويستصحب الانسان من لا يلائمه ولعل القارئ لشعر أبي الطيب هذا يظن ان بيت الحكمة هذا مقحم على القصيدة وما سبق هذا البيت من ابيات الا ان الامر غير ذلك, فهذا البيت معلق تعليقاً ملائماً لما سبقه, فهو في الابيات الاولى يحدث صاحبيه عن نفسه ويطلب منهما البكاء معه على اطلال من يحب ثم يضرب هذا البيت حكمه ويسيره مثلاً وكأنه يقول لهما ولنا انه صادق في حبه حين يدعي الهوى غير اهله وانهما اي صاحبيه لا يلائمانه ولا يصلحان لصحبته ان لم يبكيا له وذلك حق الصحبة وهو المشاركة. ثم يدلل بعد ذلك على انه من اهل الهوى وليس ممن يتزيون بثياب العشاق واحوالهم فيدعو على نفسه بالبلى اي الفناء ان لم يقف على اطلال من أحب وقوف من لا يريد الفراق وليس أشد من الفراق على رجل بخيل ضاع في التراب خاتمه فأطال الوقوف بحثاً عنه. وأشد من ذلك دعوته على نفسه بأن يصبح مكروهاً تتوقاه عواذله وتبعد عنه كما يتباعد عن الخيل التي يراد ترويضها حازمها ومروضها الذي يريد ان يشد عليها حزاماً ليذللها فقال داعياً على نفسه: بليت بلى الاطلال ان لم أقف بها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه كئيا توقاني العواذل في الهوى كما يتوقى ريّض الخيل حازمه والغريب الذي يعجب له الناس ان الشاعر في هذه القصيدة بعد ان اوحى لنا بأنه واقف على الاطلال يبكي ويستبكي اذا به فجأة ينتقل نقلة الى المحبوبة التي اصبحت ديارها طللاً بعد عين يخاطبها يقول وكأنها أمامه: قفي تغرم الاولى من اللحظ مهجتي بثانية والمتلف الشيء غارمه سقاك وحيّا نابك الله إنما على العيس نور والخدود كمائمه وما حاجة الاظعان حولك في الدجى الى قمر ما واجد لك عادمه اذا ظفرت منك العيون بنظرة أثاب بها معيي المطي ورازمه وفي ذلك مدح وغزل في محبوبته وكأنها حاضرة أمامه يستوقفها ويطلب منها نظرة اخيرة ثم يصفها بأنها قمر الدجى ثم ينتقل بعد ذلك الغزل الى ذكر عدم خوفه من الموت فيقول: فلا يتهمني الكاشحون فإنني دعيت الردى حتى حلت لي علاقمه ثم يأتي بأبيات حكمة خالدة عن الشيب والشباب وأن الشيب والشباب بيد من أعطاك شبابك وهدمه: مشب الذي يبكي الشباب مشيبه فكيف توقّيه وبانيه هادمه ثم ينتقل نقلة اخرى الى ذكر شيء هو احسن عنده من زمن الشباب ورونقه وهو رؤياه لمع برق يبشر بمطر يشومه بعينيه وما هو الا ذلك الممدوح وهو سيف الدولة جاس في فازة يعني مظلة الى آخرة القصيدة التي يظل يمدح فيها حتى ينتهي الى حكمة جليلة هي قوله: وما كل سيف يقطع الهام حده وتقطع لزبات الزمان مكارمه أي ان ليس كل سيف قاطع وسيف الدولة يقطع لزبات الزمان اي شدائده بكرمه وحزمه. والسؤال هنا لماذا هذا التنقل من بكاء على حبيب مفقود الى مخاطبة المحبوب وكأنه موجود الى الاعراض عن التغزل فيه الى مدح ممدوح ملك. الحقيقة ان غير الخبير في الشعر وأساليبه يظن ذلك تنقلا لا رابط بينه ولكنه في الحقيقة مربوط بشعور شاعر واحد او بتجربة شعورية واحدة تقول ان الشاعر هذا محب جياش الفؤاد بالحب وحتى انه لا يستطيع ان ينفك من حبه حتى ولو أراد مدح ملك فهو لا يجد طريقاً الى مدح ملك الا بعد ان يقدم عليه حبه ومدحه لمحبوبه وما اعراضه بعد ذلك عن غزله في محبوبه الى مدح الملك الا كالتفات المجروح عن جرحه الى ما هو بعيد عن ألمه لينساه قليلاً بما هو بعيد عن عمق روحه. والسؤال الآخر هو هذه النقلات من الحديث عن الغائب الى محادثته حاضراً مشهوداً والتي يظن انها نقلات عابث غير واع وهي غير ذلك انما هي تنقلات الشعر التي تختلف عن التقرير المنثور فالشعر طبيعته انه لفتات ونقلات ومشاهد يربط بينها شعور الشاعر وعاطفته المسيطرة على القصيدة وان توهم القارئ او السامع لأول مرة انها نقلات غير متلائمة الا انها طبيعة الشعر التي تتفلت من سياق الحديث والتقرير الى سياق المشاهد والمشاعر التي تموج وتتنقل بنا من مشهد الى آخر برابط واحد هو جو القصيدة العام السائد الذي يظل يوحي ان تلك المشاهد هي قصة الشاعر الطويلة ومعاناته المستمرة, وهكذا هو الشعر لمحات ونظرات ولفتات وانتقالات سريعة لا تكاد تشبع من احداها حتى ينقلك الشاعر الى سواها بغير قصد بل بروح قلقة كما يقول ابو الطيب عن نفسه: على قلق كأن الريح تحتي اوجهها جنوباً او شمالا