درجت في الأيام الأخيرة الدوائر السياسية والعسكرية الإسرائيلية, على إطلاق التصريحات النارية على عواهنها خاصة الموجهة منها للبنان وسوريا, وبالتحديد بعد عملية شبعا الثانية التي نفذتها الحركة الإسلامية اللبنانية. حتى ذهب البعض في تفسيراته لجملة هذه التهديدات باعتبارها مقدمة حقيقية لعدوان أصبحت خطوطه العريضة على أقل تقدير مرسومة في دوائر العدوانية لوزارة الحرب الإسرائيلية, وأن القضية برمتها تحتاج إلى توفر الشروط الملائمة, وبالأخص منها عامل الوقت والظرف الملائم للقيام بمثل هذا العدوان, الذي سيستهدف البنى التحتية وبعض المراكز الحكومية الحساسة لكلا البلدين. وقد ذهب البعض الآخر برسم وتحديد الخطوط والمساحة التي سيطالها العدوان الإسرائيلي, دون الالتفات ولو للحظة إلى ردة الفعل المقابلة والإمكانيات التي يمتاز بها هذا الطرف. وإذا سلمنا جدلاً أن العدوان الإسرائيلي قادم لا محالة للتسويف أو التكهن, فلا بد لنا من إدراك جملة من الحقائق الثابتة بل والراسخة التي لا يمكننا تجاهلها أو القفز عنها والتي تتلخص بما يلي: أولاً: لقد ثبت وبالملموس, أنه بفضل الدعم السياسي السوري للمقاومة في لبنان, تحقق ولاول مرة في تاريخ الصراع العربي ــ الإسرائيلي ما يسمى بتوازن الرعب, خاصة بعد عقد تفاهم نيسان الذي حل محل تفاهم تموز في (26/4/1996 ) والذي أخرج المدنيين من حلبة الصراع بعد عملية عناقيد الغضب التي استخدمت فيها كل أنواع الطائرات المتطورة جداً, والذي أدى بدوره إلى هزيمة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر من الجنوب اللبناني دون قيد أو شرط, على الرغم من استخدام كل وسائل و أدوات التدمير المتطورة والحديثة التي لا تمتلكها الدول العربية مجتمعة على مدى سنوات الصراع, بما في ذلك التفوق الكمي والنوعي المطلق لمصلحة الجيش الإسرائيلي. ومن ثم يمكننا القول أن القوة التي هزمت إسرائيل, هي ذاتها القوة المتواجدة على الأراضي اللبنانية, ولا تزال تمتلك كل الأدوات والأساليب التي قاتلت بالاعتماد عليها ما يقارب عقدين من الزمن, لا بل أصبحت تمتلك جغرافية محصنة تمكنها من الوصول إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ,1948 بوسائل أقل تكلفة وأقل عناء. ثانياً: لقد تبين فشل كل الرهانات والمحاولات الإسرائيلية والهادفة إلى دق إسفين بين الحكومة والمقاومة في لبنان, وبالعكس من ذلك تبنت الحكومة اللبنانية الجديدة ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب قضية تحرير مزارع شبعا على عكس ما كان يشاع, بأن الانسحاب الإسرائيلي سيستجلب لبنان إلى طاولة المفاوضات المنفردة, من خلال بعض الضغوط الدولية التي ستفرض عليه. وهذا الأمر بحد ذاته رسخ العلاقة السورية اللبنانية, رغم بعض التصريحات التي تنطلق بين الفينة والأخرى من بعض القوى الهامشية بلبنان ضد الوجود السوري وما إلى غير ذلك. ثالثاً: غالباً ما يحاول البعض استبعاد الطرف الفلسطيني من معادلة الصراع التي قد تفرضها إسرائيل للخروج من أزماتها الداخلية الخانقة, والتي لسنا بمعرض إدراجها في هذا المقام, ولعل زيارة جوسبان رئيس الوزراء الفرنسي لجامعة بيرزيت وموقفه السلبي, بل والمعادي للمقاومة اللبنانية, قد أظهرت مدى العلاقة الحميمية التي تربط هذه الشعوب وقواها. وأن أي عدوان إسرائيلي على لبنان وسوريا سيفسح المجال رحباً أمام الفلسطينيين لتغيير كل الأدوات الصراعية المستخدمة بالانتفاضة الفلسطينية راهناً, وسيفتح الداخل الإسرائيلي على المجهول, بكل ما يخبئه أو ينبئ به هذا المجهول. رابعاً: إذا ما نفذت إسرائيل تهديداتها ضد سوريا, فسوريا رغم قلة المعلومات عن إمكانياتها العسكرية, فهي تمتلك القدرة الكافية لاستخدام كل الأساليب والوسائل التي ستستخدمها إسرائيل بعدوانها, لرد هذا العدوان, وسوريا ستنطلق من حقيقة غاية بالأهمية, وهي أن الشعب السوري منتم كل الانتماء لوطنه في حال قيام إسرائيل بمثل هذا العدوان, ولن يرحل عن أرضه, بينما جموع المستوطنين الذين جاءوا إلى أرض الحليب والعسل, عندما يفتقدون هذا الحليب والعسل, فليس لهم مصلحة بالبقاء في إسرائيل, وفلسطين بالأصل لا تعني لهم سوى مشروع اقتصادي خاضع لاحتمالات الربح والخسارة, وإذا ما وصلت القضية إلى تهديد أمنهم فلن يجدوا بعد ذلك مكاناً للربح وسيكون بعد ذلك العنوان الذي يوحد كل هؤلاء المستوطنين الهجرة المضادة, والتي تعتبر أكبر خطر على بقاء إسرائيل, وهذا ما حصل في حروب سابقة, ولعل حرب ,1973 تظهر مدى هذه القناعة لدى جموع المستوطنين, حتى الذين يلوذون بالقيم والأفكار الدينية, وأرض الميعاد, فهم أكثر الناس كرهاً حتى للخدمة العسكرية في إسرائيل. وبعد ذلك سيتعذر على كل الأطراف حتى مجرد التفكير بالعودة إلى طاولة التفاوض, أياً يكون العنوان والقرار الذي سيحكم هذه الطاولة. لكن بالمقابل علينا أن نرى أيضاً جملة من الحقائق لدى الجانب الإسرائيلي نفسه, هل حقاً وصلت القيادات الإسرائيلية على مختلف اتجاهاتها الحزبية والسياسية, إلى المجازفة بكل ما أنجزته منذ مؤتمر مدريد والى يومنا هذا من اختراقات في الجبهة العربية, أو حتى قبل ذلك, هل أصبحت جاهزة للعبث باتفاقيات كامب ديفيد على الجبهة المصرية؟ الواقع إن إسرائيل تدرك جيداً, وعلى الرغم من الانحياز الكلي للغرب عموماً لها, بأنها غير قادرة على دخول مثل هذه المقامرة, التي إذا ما بدأتها, فلن يكتب لها النجاح في اختيار النهايات السعيدة لها على الإطلاق, وسيكون هذا الأمر بحد ذاته مقدمة لانحسار حتى الدور الغربي ولو بشكل جزئي في منطقة الشرق الأوسط عموماً وبلا استثناء. ناهيك عن أنها بهذا العدوان ستسدي خدمة جليلة للعرب للتخلص من العلاقة التي بدأت ترمي بثقلها على كاهل الأطراف العربية مجتمعة بلا استثناء أيضاً, وستؤسس لاستراتيجية عربية, كانت تفتقدها منذ عقود, وهذه الاستراتيجية ستضع بسلم أولوياتها العداء لإسرائيل ومن يدعمها. وإذا تعذر اتخاذ مثل هذه المواقف على الصعيد الرسمي العربي, فستضعف كل الأطراف العربية التي ترتبط معها بمعاهدات واتفاقيات وعلاقات تجارية واقتصادية.. الخ. وستسهم ببروز قوى عربية جديدة على مسرح الأحداث, تمتلك كل الذرائع والأعذار لمواجهة ليس إسرائيل, بل والحكومات المحلية التي ستستخدم سياسة إدارة الظهر لما سيستجد من مواقف سياسية, وهذا ما تحاول أمريكا نفسها إلى لجم مثل هذه القوى, بل وضبطها بكل الإمكانيات والسبل المتاحة, دون أن نتطرق إلى نوعية هذه القوى والأيديولوجيات التي تحكمها, والأمثلة أكثر من أن تحصى في الشارع العربي والإسلامي. أضف إلى ذلك أن إسرائيل بهذه العملية ستضرب بمصالح حلفائها الغربيين, وستضعهم بموقع الدفاع عن النفس, بدلاً من موقف الهجوم الدائم على الدول من خلال ذرائع وعناوين حقوق الإنسان وغيره. دون أن نغفل بأن هذا العدوان وهو الأمر الأهم سيعطي السياسة الإيرانية شرعية التمدد إلى كل المنطقة العربية, وسيرفع الحصار عن العراق بحيث سيسهم هذا العدوان إلى ترميم مواقف الأطراف, ومقدمة لبناء تحالف مترابط انطلاقاً من المصالح المشتركة لأطراف هذا التحالف والذي سيبدأ من طهران مروراً ببغداد ودمشق وانتهاء ببيروت, والذي قد يشكل كرة ثلج وعامل استقطاب للعديد من دول المنطقة متجاوزاً مشكلة الجوار الجغرافي واستطالاته. ومن نافلة القول أن إسرائيل انطلاقاً مما تقدم حتى وان كانت تبحث عن خلط الأوراق في المنطقة سعياً للتخلص من أزماتها الداخلية, وتعذر قدرتها على القيام بعملية سلام متوازنة مع الأطراف العربية, إلا أنها ليست بمفردها تقرر الحرب والسلام بالمنطقة, وهي محكومة لجملة ارادات ورؤى خارجية لا يمكنها أن تتجاوزها أو تغفلها. وعلى ما يبدو أن التهديد بالعدوان واستخدام القوة في هذه الفترة بالذات, هي محاولة لرأب الصدع الحاصل على المستوى الداخلي وحسب, بغية الالتفاف على تقديم الانتخابات, خاصة وأن مصالح شارون بعد بروز نتانياهو على الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية بهذه القوة منقطعة النظير , أصبحت تهدده داخل حزب الليكود, وتهدد باراك على مستوى انتخابات رئاسة الحكومة, لذلك توصل الاثنان ولو بشكل متأخر إلى حقيقة مفادها, بأنه لا بديل عن إطلاق التهديدات التي تؤمن لهما مصالحهما ومآربهما الشخصية السلطوية, والتي تتمثل في تشكيل حكومة طوارئ على المدى المنظور. لكن بالمقابل لا بد أيضاً من الاعتراف أن المنطقة ومن خلال جملة السياسات الإسرائيلية المتبعة, أصبحت تقبع على كتلة من البارود, وقد تسول لهؤلاء الإسرائيليين أنفسهم لخوض مثل هذه المغامرة مجهولة النتائج, انطلاقاً من قناعة تولدت عندهم على مدار أكثر من خمسين عاماً من الصراع مع العرب, بأنهم إذا ما قاموا بمثل هذا العدوان, سيستجلبون العرب إلى طاولة التفاوض التي سيرسمون معالمها بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة. لكن بكل تأكيد تبقى الأيام المقبلة هي وحدها الكفيلة على كشف نوايا كل الأطراف بما في ذلك الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة, إن كانت تجنح نحو الحرب أم السلم. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق