نعم.. الكمبيوتر اعظم اختراع تكنولوجي عرفه البشر. لكن ما فائدته من منظور القيم الانسانية اذا كان هذا الاختراع عاجزاً عن حل ازمة الجوع وسوء التغذية التي يعاني منها مليارا انسان في مجتمعات العالم الثالث الفقير؟ لو صدر هذا التساؤل عن مفكر من قادة الفكر اليساري المتطرف لما كان جديرا باثارة اي استغراب. لكنه صدر عن آخر شخصية يمكن ان نتصور انها تتحدث بهذه اللغة. فصاحب التساؤل هو بيل جيتس ملك صناعة الكمبيوتر في العالم. المناسبة التي جرت الشهر الماضي في مدينة سياتل الامريكية كانت مؤتمراً علمياً حول استخدام اجهزة الكمبيوتر لمساعدة بلدان العالم الثالث. هناك نهض جيتس وقال انه لا يزال مؤمنا بالمقولة المثالية بأن التكنولوجيا يمكن ان تحقق عالما افضل لكنه شكك في قدرة الكمبيوتر والرأسمالية العالمية على حل الكوارث المباشرة التي يواجهها افقر الناس في العالم. بيل جيتس يعتبر الآن اثرى شخص في هذا العالم. وسبب ثرائه هو صناعة الكمبيوتر. ولذا فان حديثه الى المؤتمر العلمي المشار اليه كان بمثابة تفجير قنبلة على نحو فجائي حتى ان احد اعضاء المؤتمر علق قائلاً: لو اعلن البابا استنكارا للكاثوليكية لما تسبب بصدمة اكبر من الصدمة التي احدثها اعلان بيل جيتس. لقد شرح جيتس (قنبلته) قائلاً: ان الناس الذين اعتقدوا ان البلدان النامية يمكن ان تستفيد من الاقتصاد الالكتروني ليس لديهم اية فكرة ماذا يعني ان يضطر الانسان للعيش بدولار واحد ودون كهرباء. (إن الكمبيوتر لا يطعم جائعاً ولا يشفي مريضاً). ومن يطالع هذه الرؤية الجديدة المثيرة لرجل يعتبر اغنى اغنياء عصره لابد ان يدفعه حب الاستطلاع الى طرح سؤال: ما هي الخطوة المقبلة؟ ماذا يريد بيل جيتس؟ وأين يسير من هنا؟ بيل جيتس نفسه يعطينا اجابة ما عن هذا السؤال.. لكنها اجابة منقوصة. ان مؤسسة بيل جيتس ترصد من حين لآخر تبرعات الى بلدان العالم الثالث الفقيرة. والآن يقول هذا الرجل انه كان ساذجاً عندما بدأ يتبرع قبل ست سنوات لصالح فكرة المهمات التي يمكن ان يقوم بها جهاز الكمبيوتر. ولهذا فانه قرر تخصيص ثلثي تبرعاته الى العالم الثالث لصالح الرعاية الصحية والتنمية وتوزيع الادوية. بايجاز.. فان هذا الرأسمالي الكبير يتحول بتبرعاته من توجه ربحي الى توجه اجتماعي انساني. لكن هل يؤدي هذا التحول الى حل مشكلة الفقر والجوع والعوز بين شعوب العالم الثالث؟ ليس هذا قدحا في نوايا بيل جيتس او استراتيجيته الخيرية الجديدة وانما هو من قبيل طرح تساؤل: كم من الرأسماليين العالميين, افراداً ومؤسسات, على استعداد للاقتداء برؤية جيتس؟ وكم من حكومات الدول الصناعية الغنية على استعداد لتبني فكرته؟ ان المشكلة ان جيتس لن يجد من يشاركه الرؤية فحسب من حكومات ومؤسسات رأسمالية وافراد.. بل ان هناك من يحاربون الفكرة حتى لا تنمو الى مستوى تيار قوي. هناك صندوق النقد الدولي, محامي الرأسمالية الغربية, الذي يرى ان رسالته الاولى هي نهب موارد الدول الفقيرة. وهناك اقتصاديون غربيون من اصحاب الشهرة العلمية ممن يضعون خبرتهم في خدمة الشركات متعددة الجنسية لقاء أجر... وبالتالي على استعداد لمحاربة فكرة جيتس بأسلوب (علمي)