عندما ارى المكاسب الثمينة التي يحققها الفلسطينيون بثورتهم المسماة ظلما بالانتفاضة وهي مكاسب داخلية وعربية وعالمية غالية لايستهان بها, يعاودني الامل بأن النصر قريب كما وعد الله وبأن شعب فلسطين يمشي، على نفس طريق الشعب الجزائري والشعب الفيتنامي وشعب جنوب افريقيا, مَن منا لايذكر الحرب القذرة التي فرضها الاستعمار الفرنسي على الجزائر العربية المسلمة لمدة مئة وثلاثين عاما حين كان الجنرال بيليسي يشعل النار في قبائل كاملة ويحرق الاطفال والنساء والشيوخ؟ وحين كان الجنرال ماسو والجنرال بيجار يتفننان في التعذيب والتنكيل وكانت الطائرات تلقي قنابل النابالم على القرى والمدن والاسواق: لاشيء من هذا اثنى الشعب الجزائري البطل على المقاومة ثم الانتصار, وكذلك شعب فيتنام الصامد الذي لقن اكبر امبراطورية درس مانوي, ثم شعب افريقيا الجنوبية الذي اتخذ من زعيمه نلسن مانديلا رمزا للفداء والصبر على مدى سبعة وعشرين عاما قضاها هذا المناضل الفذ في زنزانة الى ان نال النصر. تلك اقدار الشعوب قوة الحق هي التي تنتصر دائما على حق القوة, لكن من عبر التاريخ ان نتعلم بأن امتلاك الحق لايكفي لانجاز النصر, فالحق يحتاج الى عنصرين هامين هما وحدة الكلمة وضرورة التخطيط اظن ان محمد حسنين هيكل هو الذي كتب ذات يوم قائلا ان صراع العرب مع اسرائيل هو بمثابة تقابل لاعب طاولة مع لاعب شطرنج, الاول يعول على الحظ والثاني يعتمد الحساب الاول يوكل مصير اللعبة الى رمية المكعب تعطيه رقمين حسب مدى الرمية والثاني يخطط ويعرف قيمة الشاه فيحميه ويحضن الوزير فلا يلقيه ويعرف ان كل بيدق لايضحى به الا في سبيل فيل او قلعة او فارس. هذا هو رأس سوء التفاهم العميق والخطير بيننا وبين اعدائنا وخصومنا. قواعد اللعبة ليست مشتركة ولاعقلية اللاعبين ولا الملعب ولاحتى حيال المتفرجين, انه العبث بعينه مثل مسرحيات العبث التي كتبها (بيكيت) و (ايونسكو) مجرد شخوص بلهاء على خشبة المسرح تتحرك دون ان تكون لها علاقات منطقية ببعضها ولذلك لقب النقاد هذا النوع من المسرح بمسرح اللامعقول. واعتقد ان الصراع العربي الاسرائيلي هو من هذا الصنف اللامعقول وواجبنا نحن العرب ان نتعلم لعبة الشطرنج عوضا ان نوجع دماغنا في اقناع العالم بضرورة تعلم لعبة الطاولة, لسبب بسيط هو ان مصير العالم رهين الحساب والتوقع المدروس والمخطط المحسوب والمعلومات والبرامج الحاسوبية والهندسة المستقبلية واستقراء المصير بالعلم, وشيئا فشيئا يتضاءل دور الحظ في العلاقات الدولية ليحل محله الاستعداد والتوقع ورصد الواقع والتعامل مع المعطيات عصرنا هو عصر المجتمعات المعلوماتية وعصر الحريات العامة المعترف بها وعصر اشراك الشعوب في القرار وليس لا للمزاج ولا للحظ دور رئيسي فيه. ثم ان سوءاتنا عارية امام الاسرائيليين وهم يعرفون ان امورنا لن تستقيم الا بالاحتكام الى الضمائر الشعبية وهذه الضمائر محجوبة عنها الحقائق ومعطلة مؤقتا, فها هو أحد اساتذة علم اجتماع المجتمعات العربية (ليفي ايدان) يقول في مجلة مركز (يافي) للدراسات الاستراتيجية بتل ابيب عدد 412 مارس 91. من الخطأ ان نبالغ في تضخيم تهديد الدول العربية لدولة اسرائيل في المرحلة الراهنة لان المشاكل الداخلية العربية اكبر بكثير من هموم تحرير فلسطين او الجهاد من اجل القدس, ولان المشاكل الخارجية لكل دولة عربية تقريبا هي مشاكل مع جيرانها العرب, الى جانب ان الارادة الجماعية مفقودة لدى العرب بسبب ثلاثين سنة من الجفاء بين شعوب العرب 2000, انتهى كلام الباحث الاسرائيلي وهل من تعليق على هذا الاستنتاج؟ المرحلة الراهنة التي نحن فيها بإزاء نكوص حكومة باراك عن تعهدات حكومة نتانياهو تدعونا الى استحضار الحلقة المفقودة بين قادتنا وعلمائنا وان تستنجد المؤسسات الرسمية بالجامعات وبالعقول حتى ولو سمعت مايغضبها وما لا يعجبها. ومن المفارقات العجيبة كما قال محمد حسنين هيكل ان صراع العرب واسرائيل هو صراع دول متعددة مع شعب واحد, فمهما قلنا عن اسرائيل من منظور الحق المغتصب والقانون الدولي فاننا بازاء شعب يخطط ويوظف كل اخطائنا ضدنا, قد بدأنا نقلع خطاء وبدأنا نتعلم في ثورتنا الراهنة الكبرى قواعد لعبة الشطرنج ونتخلى عن عقلية لاعب الطاولة.