من حسن حظ ملوك ماسبيرو أنني لم أتابع هذا العام برامج التلفزيون المصري, وكل ما فعلته أنني خطفت نظرة هنا ونظرة هناك, واستمعت الى تعليقات بعض المشاهدين الذين أكرمهم الله فتصوروا أن التلفزيون المصري، هو غاية المراد من رب العباد.. وبعد انقضاء نصف الشهر الكريم أستطيع أن أقول أن حلقات زكية زكريا مكررة وكان يجب عدم اعتماد الحلقات على صلعة الفنان ابراهيم نصر لأنها حركة قديمة ومكررة.. وبالنسبة لصيحات الاحتجاج التي تتصاعد من هنا وهناك حول حلقات (أوان الورد) فسببها الرئيسي هو الجرأة في تناول الموضوع, ولأنها ربما هي أول مادة تلفزيونية تعرض على الناس بدون المرور على السيد رئيس القناة والسيد الوكيل والسيد المراقب والسيد السكرتير والسيد مدير عام البرامج والسيد مدير عام قطاع الانتاج. وأي جهاز تلفزيون في أي مكان يخضع للتعليمات والتأشيرات والمحظورات والمسموحات سيتحول في النهاية الى شيء مثل صندوق الدنيا, وأرجو أن تكون حلقات (أوان الورد) هي أول استفتاح في عرض المشاكل دون حرج ولمس العيوب وكشفها دون خجل. الأمر الذي لفت نظري بشدة هو انكماش الفترة القرآنية في التلفزيون الى أقل من خمس دقائق قبل موعد الافطار. وهي فقرة من أهم فقرات البرنامج خصوصا في شهر رمضان. وكنا زمان نستمتع بأصوات عباقرة التلاوة من أمثال محمد رفعت والشعشاعي وعبدالعظيم زاهر ومصطفى اسماعيل ومنصور الشامي الدمنهوري وسعيد نور وشعيشع وعبدالباسط عبدالصمد والبهتيمي والسعدني ومحمود علي البنا وهريدي الشوربجي والسنديوني انتهاء بالطبلاوي ونعينع وغلوش والرزيقي وعبدالعاطي ناصف. ولكن هل تكفي الدقائق الخمس في تلفزيون هذه الأيام لتلبية رغبة عشاق التلاوة؟ صحيح أن هناك فترة تسبق التلاوة هي الفترة التي نستمتع فيها بتفسير الشيخ الشعراوي طيب الله ثراه.. ولكن تفسير مولانا الشيخ برنامج قديم سبق اذاعته, ثم ليس هناك كلام يسبق كلام الله حتى ولو كان تفسير الشيخ الشعراوي أو أحاديث فضيلة الامام الأكبر. والذي زاد وعاد وجعل الكيل يطفح الى حد لا يطاق هو استخدام آيات الله في الاعلان فهو أمر مرفوض ومكروه ويجب بتر العبقري الذي فكر في استخدام آيات القرآن الكريم في ترويج بعض السلع أو رفع الذوق والاحساس, وأصل الحكاية أن حفيدي محمود السعدني الصغير يحاول أن يثبت لنا أنه لم يعد طفلا فهو حريص على صوم الجمعة من كل أسبوع, كما يواظب على الجلوس أمام التلفزيون للاستماع الى المقرئ الذي يسبق مدفع الافطار, كما أنه يقضي وقتا كل يوم في قراءة بعض السور القصار من المصحف الشريف, حفيدي محمود السعدني الذي يحاول أن يثبت لنا أنه أصبح رجلا رغم أنه في السادسة من عمره, جاء يسألني أول أمس.. هل أحفظ يا جدو سورة (دومتي) شهقت فزعا وسألته سورة إيه يا محمود؟ قال سورة دومتي.. قلت له.. لا توجد سورة بهذا الاسم في القرآن الكريم.. تحداني الولد ولعله أراد أن يثبت جهلي وقال في اصرار.. لأ فيه سورة دومتي وهاوريك دلوقت. جاء الحفيد وجلس بجواري فور انتهاء الشيخ الشعراوي من حديثه اليومي.. ثم فجأة انطلق صوت أحد المقرئين وهو يرتل آية واحدة من آيات القرآن, وعقب الانتهاء منها ينطلق صوت مذيع ليقول بدون مناسبة مع تحيات (دومتي) ونتمنى لكم صوما مقبولا. وهنا انطلق صوت محمود الصغير وقال لي.. أهه.. دومتي زي ما قلتلك.. وزيادة في التحدي.. قال لي.. إيه رأيك بقى؟ ولم أشأ أن أصدم الطفل الصغير فأقول له إنه اعلان عن صنف معين, خفت أن يرد علي قائلا: وهل يليق استخدام كلام الله في اعلان عن سلعة من السلع؟ والعبد لله ليس مهتما بمعرفة اسم هذا المندوب النشيط في قسم الاعلانات الذي اقترح هذه الفقرة. ولكنني أسأل عن اسم المسئول الذي وافق على اذاعة هذه الفقرة الاعلانية, وأقول لحضراتكم أن مثل هذا المسئول لا يصلح مسئولا في ادارة مراجيح الجيزة! لفت نظر العبد لله أيضا برنامج كارثة اسمه مقهى الأولى, تصورت في البداية أنه برنامج تركي أو يوناني, ثم اكتشفت أن أصحاب البرنامج نيتهم سليمة وأنهم يقصدون قهوة القناة الأولى.. طيب ما العيب في كلمة قهوة؟ هل هي كلمة بلجيكية؟ هل أصحاب البرنامج من أنصار السنة المنظورية نسبة لابن منظور صاحب لسان العرب؟ ثم ماذا في المقهى؟ مجرد زيطة وزمبليطة وكلما سبق اذاعته أكثر من مرة, كما في الحلقة التي ضمت مؤلف الأغنية التاريخية (بابا أوبح) لقد قال نفس الكلام في قنوات محلية وفي فضائيات عربية. ولكن لأن المهم عند التلفزيون المصري أن يملأ وقت البرنامج بأي شيء وبأي حاجة وبدون تكاليف فيا مرحبا بأي غاوي شهرة وأي غاوي لت وعجن, ثم اذاعة هذا العك تحت يافطة مقهى الأولى أو مقهى الثانية أو مقهى الثالثة.. فلا شيء يهم على رأي إحسان عبدالقدوس. وأقول لعمنا صفوت الشريف, يا عم صفوت.. يا تلحق يا متلحقش, التلفزيون المصري في خطر, والهجمة الشرسة تستهدف تهميشه, وأنت قادر على تصحيح المسار قبل فوات الأوان. هل أنا متفائل؟ أم متشائل؟ أم بين بين؟