في الغرب يقبل الناس على الكتّاب والروائيين والشعراء أكثر من اقبالهم على مواعظ رجال الدين, والسبب معروف, فمنذ زمن طويل أعلن الغرب (طلاقا) لا رجعة فيه بين الدين وشئون الحياة, واعتقل تفاصيل ورموز هذا الدين في الكنائس والكاتدرائيات, وحل المثقفون العلمانيون محل رجال الكهنوت القديم لهداية البشر واصلاح أحوالهم, وأطلقت لهؤلاء المثقفين الحرية كاملة ليقولوا ما يشاءون. في العالم الثالث ذي الخصوصية الثقافية بالغة التعقيد والحساسية, لا يناقش الناس مسائل كهذه, حيث تدخل في نسيج معقد من الممنوعات والمحظورات ويتم الاتفاق ضمنا على السكوت عنها منعا للفتنة والبلبلة! وهذا هو الخطأ الأكبر الذي مازلنا نصر على ارتكابه يوميا. لكن من الذي يدفع ثمن هذه الظاهرة؟ لا شك انهم المثقفون أصحاب الابداع سواء كانوا شعراء أو كتّابا روائيين ومسرحيين أو صحفيين, حيث يقعون ضحايا القمع والمنع والرقابة في حين لا ينجو القارئ منها كذلك, وبالتالي ترزح الساحة الثقافية العربية بأعباء وظواهر تؤثر بشكل كبير على عطاءاتها وجمالياتها, كما يترنح المبدع تحت وطأة حالات من القلق والتوتر والاهتزازات العصبية التي قد تقوده في أحيان كثيرة إلى أسوأ الحالات. انه حين يصر الكاتب على ان آراءه صائبة وبأن السلطة تضطهده بلا مبرر, وحين يصرخ الصحفي محتجا على الرقيب وبأن ما يقوله هو الحقيقة التي بسببها قد تعرض مرارا لمضايقات رجال الشرطة والأمن وحين ... فإن هذا الصدام يكشف عن أزمة حقيقية تتفاقم على محورين: محور الابداع أو العمل المقدم الذي قد تعمل الرقابة على قتله وبالتالي عدم الافادة منه ثم محور الكاتب أو المبدع الذي قد يقع ودون أن يدري في دائرة الاحباط والاستبداد وأخطره استبداد الأفكار, خاصة حين يرفض المبدع أن يناقش فكرته أو يضعها في دائرة الجدل, وحين ترفض السلطة نور الفكرة وقوتها. في ظني الخاص فإن الابداع كله لا أهمية له على الاطلاق إذا لم يصب في خانة الجماهير, فالناس أولا وليس الأفكار كما يقول (بول جونسون) صاحب كتاب (المثقفون) والناقد في جريدة (الاوبزيرفر) البريطانية ان الصدام المستمر الذي يعيشه المبدع مع عالم الرقابة القاتل, ثم نظرته المبالغة لنفسه, ورؤيته الشخصية لأفكاره وطروحاته توقعه في الاستبداد أحيانا كما تقوده إلى الجنون أحيانا أو الانتحار أو الهروب والضياع! لكنني لا أنفي مسئولية الواقع الاجتماعي والسياسي في الوقت نفسه. وقد أكدت دراسة بريطانية نشرتها مجلة (التحليل النفسي) العام الماضي ان الكتاب يرهقون ذهنيا بالتفكير والصراعات والتخيل, وبالتالي فهم غالبا ما يعانون من اختلال عقلي. وقد استند صاحب الدراسة إلى سيرة 100 كاتب بريطاني وأمريكي ليعرف أسباب الاختلال الذي غالبا ما يصيب الكتاب, كما عكف على دراسة عدد كبير من الشعراء وخلص إلى ان الاختلال العقلي أو الاكتئاب يصيبان 80% من الشعراء و80.5% من الروائيين و 87.5% من الكتاب المسرحيين, مؤكدا ان 31% فقط من الشعراء يتعاطون الخمور مقابل 54% من الكتاب. فكم نسبة المحبطين والمكتئبين وأصحاب المعاناة من كتابنا ومبدعينا العرب؟ ومتى نؤمن ان الحرية هي الطريق والعلاج والمخرج؟