إنها (نفيسة العلم ) أو.. ( نفيسة الطاهرة) أو (نفيسة الدارين ) أو (نفيسة المصريين) وهكذا يعرفها المصريون الآن وعبر القرون الخوالي منذ قدومها من الحجاز إلى مصر, دخلتها يوم السبت الموافق السادس والعشرين من رمضان سنة 193 هجرية, ومنذ ذلك الحين استقرت في قلوب الناس وافئدتهم, اقترن اسمها بالصلاح والتقوى والعلم, يطلق على منطقة فسيحة شهدت تطورا كبيرا خلال السنوات الماضية بمبادرات خاصة من محبيها ومريديها, اسمها علامة على مكان, تماما مثل سيدنا الحسين, والسيدة زينب, وبذلك تتوزع مراقد آل البيت لتحدث ذلك التوازن الروحي في المدينة وسكانها. ولتصبح أيضا علامة على مكان وزمان. يقترن اسمها عند المصريين بالورع والزهد والتقوى والقدرة, هي النحيلة, ذات الجسد الواهن, لكنها المشعة بتقواها, وإيمانها وعلمها, والعلم صفتها الأولى وسر منزلتها الرفيعة, ويعكس ذلك منزلة المرأة عند المصريين باعتبارها رمزا للأمومة, ولأنها محل التكوين, والمربية والعاملة أيضا. عرفت مرقدها منذ طفولتي, مثل أي قاهري يشب على حب آل البيت ويسعى منذ عمره المبكر بصحبة أهله لزيارة مراقدهم ويتعلم قراءة الفاتحة أمام أضرحتهم, في الخمسينيات كان مرقدها يبدو على أطراف المدينة, قريبا من جبل المقطم, وسط المقابر حيث أضرحة الخلفاء العباسيين, على مقربة منها مرقد السيدة سكينة بنت الحسين, يرتبط ضريحها عندي بالريحان, كان مزروعا حول مسجدها الذي يطل على ميدان فسيح ينتهي بربوة تقوم عليها الآن مساكن. عادة ما تسود الوحشة الأماكن المرتبطة بالقبور, يسود الهدوء, نهارا وينقطع الخلق عن الطرقات التي يصطف على جانبيها مراقد سكان الأبدية, ينطبق هذا على المقابر جميعها المحيطة بحدود القاهرة القديمة. عدا المنطقة التي يقع فيها مرقد ومسجد السيدة نفيسة, طوال الليل لا تكف الحركة ولا تختفي معالم الحياة, حول المسجد مقاه تغص بالزبائن, وباعة طعام ورجال ونساء وأطفال, أسر تجيئ من كل فج للتبرك, للزيارة, لقضاء بعض الوقت ليلا أو نهارا بجوار مرقد السيدة الطاهرة, نفيسة, مريدوها من مختلف فئات المجتمع, يتجاور في حضرتها الوزير مع الخفير, الثري مع الفقير, وحول المكان كله تبسط السكينة ظلالها. لنفيسة الدارين أكثر من حضور, الأول تاريخي, توثقه المراجع التاريخية, يقول أن أباها هو السيد حسن الأنور بن زيد الأبليج بن الحسن بن على بن أبي طالب, كان عالما, جليلا من كبار أهل البيت, ولي المدينة المنورة من قبل أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور خمس سنوات, انجب أحد عشر طفلا, بذلك يكون للسيدة نفيسة عشرة أخوة هم: أبو القاسم ومحمد وعلي وإبراهيم وزيد وعبيد الله ويحيى المتوج بالأنوار واسماعيل واسحق وأم كلثوم. وأمهم تعرف بأم سلمة زينب بنت الحسن المثني ابن الحسن السبط. تزوجت من اسحق المؤتمن. عقد القران يوم الجمعة الخامس من شهر رجب سنة 161 هجرية. وكان عمرها إذ ذاك خمس عشرة سنة وثلاثة شهور وأربعة وعشرين يوما. واسحق زوجها هو ابن جعفر الصادق, وكان من الثقاة في رواية الحديث, وبزواجهما التقى عطر الدوحة الحسنية بالعطر الحسيني. فالسيدة نفيسة من نسل الحسن. واسحق المؤتمن حسين, وقد أنجبت منه أبا القاسم وأم كلثوم. عندما تأهبت لمغادرة مكة إلى المدينة قالت: (اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي فاسكني في أحب البلاد إليك) في مكة تلقت العلم على يدي والدها, وتكون أساس وعيها عبر الاماكن المقدسة, البيت الحرام, بيت جدتها السيدة فاطمة الزهراء, مواضع عاش فيها الصحابة والتابعون, في مكة تعلمت القراءة والكتابة بين السادسة والسابعة, وفي هذه السن المبكرة قرأت القرآن بانتظام حتى تم لها حفظه عندما انتقلت إلى المدينة المنورة لم تدر أن اقامتها تلك ستكون موقوته, كان عمرها عندما دخلتها عشرين عاما, وفي حياتها أتمت عشرين حجة, معظمها ماشية على قدميها. تقول زينب بنت يحيى المتوج: خدمت عمتي السيدة نفيسة أربعين سنة فما رأيتها نامت بليل ولا أفطرت بنهار, إلا العيدين وأيام التشريق, فقالت لها: أما ترفقين بنفسك ؟ فقالت: كيف أرفق بنفسي وقدامي عقبات لا يقطعها إلا الفائزون. في المدينة تحضر مجالس الامام مالك بن انس العلمية, تأخذ منه وتضيف إلى ما تعلمته في مكة, يشتهر أمرها وتلقب بنفيسة العلم والمعرفة, بعد زيارتها لضريح الخليل ابراهيم عليه السلام قدمت إلى مصر بصحبة زوجها, جاءت تسبقها سمعتها. نزلت في دار صغيرة. تزاحم عليها الناس طلبا لعلمها, وللتبرك بها. صار موضعها مقصدا للكافة حتى شرعت مع زوجها في الاعداد للرحيل إلى مكة طلبا للهدوء حتى تتفرغ للعبادة, تجمع المراجع التاريخية أنها رأت الرسول في المنام تلك الليلة يطلب منها البقاء في مصر. وعندما استيقظت متأثرة بالرؤيا. قررت البقاء حتى الرمق الأخير في مصر. وعندما جاءها والي مصر السري بن الحكم الذي أرسله الخليفة المأمون لينوب عنه, جاءها زائرا وليطلب منها البقاء بعد أن علم برغبتها في العودة إلى الحجاز, فوجئ بها تقول له إنها ستبقى حتى الموت وستدفن في ترابها, ثم قالت له إنها امرأة ضعيفة, والناس يتكاثرون عليها بما يفوق طاقتها. ولكن المكان صغير. قال لها الوالي إنه سيزيل كل ما يسبب شكواها, اما عن ضيق المكان فله دار واسعة بدرب السباع, وهبها لها وسألها القبول فقبلتها, أما عن جموع الناس الزاحفة إليها يوميا فقد خصصت لهم يومين, السبت والأربعاء, وبقية الأيام تتفرغ فيها لعبادة الله. قبلت ما عرضه الوالي, و سرى النبأ بقرارها البقاء, وسماها الشعب بنفيسة المصرية, ابتهج القوم, ولم ينقطعوا عنها, وعندما شعرت بدنو الأجل, بدأت تحضر قبرها بيدها, وكانت تقيم مجالس العلم في دارها بانتظام, أمضت في مصر سبع سنوات وفي سنة 208 هجرية, أول جمعة في رمضان بدأت تقرأ سورة الأنعام وكان الليل هادئا في تلك المنطقة النائية من المدينة, وأثناء تلاوتها غشي عليها, فضمتها زينب ابنة أخيها إلى صدرها فشهدت شهادة الحق وفاضت روحها إلى بارئها دفنت في القبر الذي حفرته بنفسها داخل دارها, أنه نفس الموضع الذي يقوم حوله وفوقه مسجدها الآن, ولا خلاف بين المؤرخين حول موضع دفنها. بوفاة السيدة نفيسة غربت الشمس حياتها الدنيوية, انتهى حضورها المرئي, ليبدأ حضورها غير المرئي, الروحاني بين الناس والمستمر حتى يومنا هذا, أشرقت الشمس عرفانها وحضورها الأبدي. عند المصريين حوادث عديدة تنسب إليها, أنهم يستجيرون بها من الظلم والشدائد, حتى أنهم ينسبون إليها ما لم يقع في عصرها, وهكذا يضعونها في مواجهة الوالي العباسي القوى أحمد بن طولون, الذي حاول الاستقلال بمصر رغم أنها لم تعش يوما واحدا في ولاية أحمد بن طولون إذ بدأ حكمه عام 250 هجرية, أي بعد رحيلها إلى الدار الآخرة باثنين وأربعين عاما. ومع ذلك تذكر بعض المراجع أن المصريين شكوا إليها ظلم أحمد بن طولون وجبروته, فسألتهم: متى يركب؟ فقالوا: في غد, فأعدت له رقعة ووقفت في طريقه فلما قالت له: يا أحمد بن طولون, فلما رآها عرفها وترجل لها عن فرسه, وأخذ منها الرقعة, وكان مكتوبا فيها: ( ملكتم فأسرتم وقدرتم فقهرتم, وخولتم ففسقتم, ودرت عليكم الأرزاق فقطعتم, وقد علمتم أن اسهام الأسمار نافذة, ولاسيما من قلوب أوجعتموها, وأجساد عريتموها, اعلموا ما شئتم فإنا صابرون. وجوروا فإنا بالله مستجيرون. واظلموا فإنا منكم متظلمون, وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون..). يقول الرواة إنه عدل عن ظلمه, ولا يزال موقف السيدة نفيسة من الوالي أحمد بن طولون, القوي, المتجبر, الظالم, باقيا حتى يومنا هذا, فكثيرون يحجمون عن الصلاة, خاصة صلاة الجمعة في مسجد أحمد بن طولون وذلك بتأثير رواية شائعة بين القوم حتى يومنا هذا, تقول أن السيدة نفيسة دعت على مسجد أحمد بن طولون بنفسها على من بناه لظلمه, ولذلك لا يقدم الناس على الصلاة فيه, رغم أنه أقدم مساجد مصر وأجملها وأكملها من حيث عناصره المعمارية بالنسبة للزمن الذي انقضى عليه, أما مسجد السيدة نفيسة فلا يوجد فيه موضع لقدم, خاصة يوم الجمعة, ويفترش المصلون الأراضي المحيطة به, تماما كما يحدث حول مسجد سيدنا الحسين. عندما توفيت السيدة نفيسة, لم تكن القاهرة قد بنيت بعد, إذ وضع أساسها عام 358 هجرية على أيدي جوهر الصقلي ورجال الخليفة الفاطمي, المعز لدين الله كانت العاصمة وقتئذ مدينة الفسطاط التي أنشأها عمرو بن العاص بعد فتح مصر, وخلال مرحلة الدولة الأموية اتسعت المدينة وازدهرت خططها ودورها, كان مسجد عمرو نقطة ارتكازها وانطلاقها, وفي زمن الدولة العباسية اختط الولاة حاضرة اخرى عرفت باسم العسكر, وكانت دار السيدة نفيسة على الطريق بين الحاضرتين. كانت بداية بناء المشهد النفيسي على يد ابن السري بن الحكم والي مصر, والمشهد أو المرقد فقائم على القبر الذي حضرته بيديها, ثم أعيد البناء في عهد الدولة الفاطمية حيث أقيمت عليه قبة, وقد دون تاريخ هذه العمارة على لوحة وضعت عند باب الضريح, وفي سنة 352 هجرية حدث تصدع للقبة, فجددها الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله, ويذكر السخاوي في كتابه (تحفة الاحباب وبغية الطلاب في الخطط والمزارات والتراجم والبقاع المباركات) أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون أمر سنة 275 هـ. أن يتولي النظارة على المشهد النفيسي الخلفاء العباسيون الذين أصبح مقرهم القاهرة بعد اجتياح المغول لعاصمة الخلافة بغداد, بعدها جاء إلى مصر الخلفاء العباسيون واستمروا بها حتى وقوع الغزو العثماني لمصر عام 922 هجرية ويقول الجبرتي في تاريخه الشهير أن الأمير المملوكي العظيم عبد الرحمن كتخدا عمر المشهد النفيسي ومسجده وجعل للنساء مدخلا مختلفا عن مدخل الرجال, واقيم البناء الحديث الحالي في سنة 312 هـ, وافتتح عام 314 هـ في احتفال كبير, وخلال السنوات الاخيرة تم توسعة واضافة مساحة جديدة إليه, وتنافس المحبون من الأثرياء في الانفاق على التوسعة الجديدة, وكان من أشهرهم المرحوم الدكتور على المفتي طبيب العيون الشهير. كما جرى تمهيد الطرق المحيطة, ولكن النقلة الكبرى ستتم خلال العامين المقبلين عبر مشروع وزارة السياحة الجديد الذي يربط المراقد المقدسة لآل البيت في مصر من خلال طريق واحد, وعبر خطة شاملة لتطوير المنطقة. ومن خلال زياراتي المتكررة للمرقد والمسجد اتيح لي خلال السنوات الأخيرة متابعة العمران الذي بدأ يحيط به ويتنافس القوم على العناية به, ومما ألاحظه زيادة وتعاظم مكانة السيدة نفيسة في نفوس المصريين, ويكفي أن الواحد من الناس إذا شعر بضيق أو اصابه ظلم أو نزل به غم, يصيح على الفور سواء كان قريبا من مرقدها أو بعيدا عنه يصيح من أعماق قلبه. ( يا نفيسة الدارين.. نظرة!)