كما اسعدني خبر تحويل (سجن القلعة) الى متحف, الذي اعلن في مصر منذ شهور, فقد اسعدني ــ كذلك ــ قرار اغلاق (سجن المزة) وتحويله الى مستشفى او الى حديقة الذي اعلن في دمشق منذ اسبوعين. والمشترك بين السجنين هو ان كلا منهما كان في الاساس سجنا حربيا اقامته جيوش الاحتلال الاجنبية لكي تحتجز فيه جنودها, الذين يخالفون القوانين والاوامر العسكرية ويرتكبون ما يعرف ــ في المصطلح العسكري ــ بـ (الجرائم الانضباطية) لذلك اقيم كل منهما داخل المعسكر الرئيسي لجيش الاحتلال الذي كان يحرص على ان يعسكر فوق ربوة مرتفعة, تجعل العاصمة في مرمى نيران مدافعه, وتمكنه ــ اذا ما دعت الضرورة ــ من اخماد اية ثورة او اضطرابات يقوم بها اولاد البلد. اما المشترك الثاني بينهما فهو ان جيوش الاحتلال ما كادت ترحل عن كل من القاهرة ودمشق لينتقل الحكم فيها الى حكومات اهلية, ثم تقوم في البلدين ثورات قومية, حتى اصبح نزلاء هذين السجنين من اهل البلاد, الذين يخالفون قواعد الانضباط الثوري ويعارضون حكومات بلادهم الوطنية القومية! ولأن الدنيا دوارة, والزمن قلَّب والثورات ــ والنكسات ــ العربية كانت كثيرة ولأن الصراع على السلطة بين قادتها لم يتوقف يوما فقد اصبح كل من سجن المزة وسجن القلعة من شواهد عصر الاستقلال, وفيهما توحد العرب حقا فما اكثر السوريين والفلسطينيين والعراقيين والاردنيين واللبنانيين واليمنيين والليبيين والمغاربة والجزائريين والتوانسة الذين دخلوا سجن القلعة ليتعرفوا على المصريين, وما اكثر المصريين الذين انضموا الى هؤلاء حين استضافهم سجن المزة فتعرفوا على رفاق لهم من السوريين, وما اوسع ألوان الطيف التي كان هؤلاء جميعا يتوزعون بينها: بعثيون وناصريون واشتراكيون وشيوعيون وليبراليون واخوان مسلمون واعضاء في مختلف التنظيمات الفلسطينية, من فتح الى الجبهة الشعبية ومن الجبهة الديمقراطية الى فتح الخط الصحيح.. مناضلون ضد الصهيونية والامبريالية وجواسيس للصهيونية وعملاء للامبريالية اقطاب من العهد البائد, وقادة للحركة المباركة التي ابادته اختلفوا مع زملائهم فتحولوا من ابطال الى خونة بين عشية وضحاها, ومن سجانين الى مسجونين وسبحان من له الدوام. وهكذا سكن في زنازين سجن القلعة آخر وزيرين للداخلية في العهد الملكي, وهما (فؤاد سراج الدين) و(مرتضى المراغي) كما سكنه اخر وزير للحربية في العهد العامري ــ نسبة الى المشير (عبدالحكيم عامر) ــ وهو (شمس بدران) وسكنه آخر وزير داخلية في العهد الناصري وهو شعراوي جمعة.. اما (سجن المزة) فقد دخله معظم قادة الاستقلال السوري, ومعظم قادة الانقلابات العسكرية التي اطاحت بهم من شكري القوتلي الى ناظم القدسي ومن عبدالحميد السراج الى لؤي الاتاسي وحافظ الاسد.. واصبح عاديا جدا في ذلك الزمان ان ينتقل كبار الساسة من الوزارة الى الزنزانة بعد ان يتحول العهد الثوري الى عهد بائد والعكس بالعكس. حدث في عام 1966 ان وقع خلاف حاد بين الرئيس اليمني آنذاك, المشير عبدالله السلال وبين رفاقه في قيادة الثورة الذين قرروا ان يسافروا الى القاهرة لعرض الخلاف على الرئيس عبدالناصر, وكانت القوات المسلحة المصرية ــ آنذاك ــ لا تزال في اليمن تدعم ثورتها ويعتمد النظام الحاكم فيها عليها في بقائه وازدحمت الطائرة التي اقلتهم بأكثر من خمسين شخصية يمنية بارزة كان على رأسها الفريق حسن العمري عضو مجلس الرئاسة وضمت رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة وبقية اعضاء مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء وعددا من قادة اسلحة الجيش اليمني وصلوا الى مطار القاهرة فلم يجدوا احدا في استقبالهم اذ كانت قد سبقتهم رسالة من المشير السلال, تقول بأنهم يخططون للسفر الى نيويورك لتقديم شكوى الى هيئة الامم المتحدة, يطالبون فيها بانهاء الوجود المصري في اليمن. وبعد ايام وجدوا انفسهم في معتقل القلعة حيث خضعوا لمعاملة خشنة كان يتعرض لها كل من ينزل ضيفا على هذا النوع من المعتقلات فالطعام قليل وسيىء ولا يقدم الا بعد ان يكون الجوع قد اذل الجميع والحصول على عود كبريت لاشعال سيجارة, واطفاء الاضواء حتى يستطيع السجين ان ينام من دون ان يكون هدفا للبعوض والذهاب الى دورة المياه للشرب او لقضاء حاجة يتطلب الطرق على باب الزنزانة لاستدعاء الحارس الذي يتهرب متعمدا ولا يظهر الا بعد ان تكون الروح قد بلغت الحلقوم, وبعد ان تهزل الحاجة الى شيء تافه ــ مثل اشعال السيجارة او الذهاب الى دورة المياه ــ مقام اعظم الرجال! وهي معاملة مخططة, بنيت على دراسات سيكولوجية تستهدف الهبوط بمعنويات السجين الى الحضيض, والوصول بسقف مطامحه الى مستوى الارض بحيث يتحول الى حيوان لا هم له الا اشباع حاجاته البيولوجية البدائية وبدلا من المطالبة بالعدل والحرية يكتفي بالبحث عن لقمة تسد جوعه, او شربة ماء تروي ظمأه او مكان يقضي به حاجته.. وكان ذلك ما اكتشفه الفريق حسن العمري, الذي كان يقول ان المشكلة بينهم وبين (السلال) سببها انه متسلط وانه يصادر حقهم في ابداء آرائهم, ثم يضيف متحسرا: كنا نطالب بحرية القول.. فأصبح كل همنا ان نحصل على حرية البول! ولابد ان وقتا سيأتي تدخل فيه الدول الوطنية التي حلت في الوطن العربي, محل الحكم الاستعماري المباشر, قفص الاتهام لتحاكم امام محكمة التاريخ وتدخل معها في القفص نفسه الدول الثورية التي حلت في بعض اقطاره محل انظمة وصفت بالرجعية والقطاعية فقد ارتكبت هذه الانظمة في حق شعوبها ما جعل بعضهم يحن الى الاستعمار وقد كانت اليمن ــ في عهد الامام يحيى ــ البلد العربي الوحيد المستقل الذي لم يتعرض لاحتلال اجنبي لكنه لم يستفد من هذا الاستقلال شيئا وخضع لحكم وطني اشاع في جنباته الفوضى والتخلف وعندما زار (رالف بانش) الامين العام المساعد لهيئة الامم المتحدة آنذاك ــ اليمن بعد الثورة قال: في الكونغو شاهدت جريمة الاستعمار, وفي اليمن حزنت لانها لم تعرف ولو قدرا ضئيلا من الاستعمار. ولأن اللورد كرومر ــ اول معتمدي الاحتلال البريطاني في مصر ــ كان استعماريا ذكيا فقد كان حريصا على ان يذكر المصريين, بأن الاحتلال هو الذي انقذهم من الحكم الوطني الديكتاتوري الذي كانوا يخضعون له في عهد الخديوي اسماعيل وأسلافه, فألغى السخرة في الاعمال العامة وأوقف استخدام الكرباج في جمع الضرائب ونظم تحصيلها وساوى بين المصريين امام القانون وأوقف قتل المعارضين لفناجين القهوة المسمومة واطلق حرية اصدار الصحف, وأوقف العمل بقانون المطبوعات الذي كان يجيز للحكومة اغلاق اية صحيفة بقرار اداري. وهكذا قاد نمط الحكم الوطني الذي عرفته اقطار الامة العربية ــ بعد الحرب العالمية الاولى ــ مواطنين في بعض اقطارها للتحسر على عهد الاستعمار, وقاد نمط الحكم الثوري الذي عرفته بعض هذه الاقطار بعد الحرب العالمية الثانية, اخرين الى التحسر على عهود الرجعية ذلك ان الاستقلال والثورية ليست مجرد مصطلحات تقال او شعارات تذاع ولكنها في جوهرها حكم صالح يتحقق للناس في ظله الامن والاستقرار والحرية والعدل. مأزق تاريخي.. ومن الظواهر التي تلفت النظر في تاريخ الدولة العربية المستقلة انها قادت الامة الى مأزق تاريخي, هددها ولا يزال يهددها نسبيا, بالعودة الى نمط من النظم السياسية كان الظن انه انقرض بقيامها وهو (الدولة الدينية) وهو نمط كان قائما وشائعا في العصور الوسطى اشتعلت بسببه حروب دموية ضارية تسترت بالدين لتقود ملايين البشر الى الموت والدمار ولتشيع الكراهية والحقد والتعصب ثم بدأ يتراجع تدريجيا بعد ان ثبت فشله وتبين انه اعجز من ان يحقق السعادة للبشر, او ان يصون حقوقهم, وأنه لم يفعل شيئا سوى انه اتاح الفرصة لفريق من البشر, لكي يدعي لنفسه خلافة الله في الارض,. فيفسد فيها من دون ان يجسر احد على التصدي له لأنه يحتكر لنفسه حق الحديث باسم المقدس الديني.. وبدأت الدولة الوطنية في التشكل لكي تضم في اطار سياسي واحد مواطنين ينتمون لنفس الارض ولنفس اللغة ولنفس الثقافة, تجمع فيما بينهم مصالح دنيوية يتساوون في الحقوق العامة والواجبات العامة على الرغم من اختلاف اديانهم ومذاهبهم وانواعهم وألوانهم, يتوحدون في الوطن ويتنوعون في الرؤى السياسية التي تحقق مصالح هذا الوطن. وكان الظن الشائع في جيلنا ان الدولة الوطنية مؤهلة ــ بحكم قوانين التطور لكي تتحول الى شكل ارقى هو الدولة الاشتراكية او دولة العدالة الاجتماعية, التي يتسع فيها مفهوم المساواة بين المواطنين ليشمل حصولهم على انصبة متساوية من ثروات بلادهم, وتهيىء السبل لمجتمع الوفرة الذي يشبع كل الاحتياجات الانسانية المشروعة فلا يندم احد على الحياة. وربما لهذا السبب كان ذهولنا كاملا لان بعض الدول الوطنية في انحاء مختلفة من العالم العربي توشك ان تسلم راياتها لدعاة الدولة الدينية, او لانها اضطرت امام تحديهم لها لان تتبنى شعاراتهم بينما لا يزال الخطر ماثلا في افق دول اخرى, بعد ان نجح التيار الداعي لاقامة مثل هذه الدولة في التسلل الى المجتمع والى مراكز حساسة في بعض اجهزة الدولة, اذ كان معنى ذلك ان الدولة الوطنية ــ وخاصة ذات الطابع الثوري ــ قد عجزت عن ان تقوم بمهمتها الاساسية وهي تحديث النظام السياسي واقرار حقوق المواطنة فلم تمهد الارض امام شكل ارقى منها, بل قادتنا عبر (طريق القلعة ــ المزة) الى القرن السادس عشر بدلا من ان تعبر بنا الى القرن الحادي والعشرين او على الاقل تعيدنا الى ما كنا عليه حتى منتصف القرن العشرين. اما كيف حدث ذلك فلأن الدولة الوطنية العربية كانت في جوهرها وبصرف النظر عن الادعاءات والشعارات دولة دينية بمعنى ما فقد تصرفت دائما مع مواطنيها بمنطق الدولة المعصومة فهي تعتمد على اقلية حاكمة تختار نفسها, لا يشاركها احد في رسم السياسات او اتخاذ القرارات وليس من حق احد ان يعارضها او ان يختلف معها او حتى ان يشير عليها فضلا عن ان يحاسبها عما جنته يداها وعما ترتب على سياساتها وقراراتها من كوارث وهزائم ونكسات وخسائر فهي تستمد قراراتها من (الالهام الثوري) وهي ليست مسئولة امام الشعب ولكن امام الله عز وجل او امام التاريخ وهي مسئولية لن يحل اوانها الا يوم الحشر العظيم وعلى المعارض او المختلف ان يضرب رأسه في الحيط او ان يتقدم بشكواه الى سيدنا رضوان حارس الجنة. ولأن لكل شيء آفة من جنسه فإن نظرة الدولة الوطنية الثورية لنفسها باعتبارها دولة معصومة هو الذي هيأ المناخ لدى الجماهير العربية للقبول من حيث المبدأ بفكرة ان تكون الدولة معصومة تعتمد على الالزام لا على المشاركة وتسأل امام الله يوم القيامة لا اما الشعب الآن, وحين لحقت الهزائم والنكسات بهذا النمط من انظمة الحكم الثورية المعصومة, طرح دعاة الدولة الدينية المعصومة انفسهم بديلا عنها, فوجدوا من ينصت لهم, ومن يقبل بمنطقهم اذ كان الناس من فرط الهول الذي تعرضوا له وتعرضت له اوطانهم في ظل هذا النمط المشوه من انظمة الحكم على استعداد للترحيب بأي بديل! ويخطىء الذين يتلمظون لاقامة دولة معصومة دينية تحل محل الدولة الثورية المعصومة اذا توهموا انهم سوف يأتون بما لم يأت به الاوائل فالتاريخ وراءنا شاهد على ان هذا النمط من الدول لم يصن دين الله ولم يجلب تقدما ولم يحقق سعادة ولم يحل دون انتشار المفاسد والمظالم ولم يحفظ وحده الامة او يحول دون تفككها ولم يصن استقلالها ولم يحصنها ضد جحافل الغزاة. واذا كان من حق هؤلاء ان يبالغوا في حسن ظنهم بإيمانهم وكان من واجبنا ان نحسن الظن بهم الا ان حقائق التاريخ تؤكد انهم لن يكونوا اكثر ايمانا وتقى من كثيرين تولوا الامر في ظل هذا النوع من الدول فأخطأوا في حق الناس وفي حق الله تحت ضغوط ضرورات او ملاءمات او لان الصيغة ذاتها التي تحصن ولي الامر من المساءلة يمكن ان تقوده الى شطط في التصرف او خطل في الرأي. وكما ان التاريخ وراءنا فإن الحاضر امامنا, يكشف عن ان الدول الوطنية القومية, حين قامت على رأسها الصحيحة: المساواة في حقوق المواطنة وحق الناس في ان يحكموا انفسهم بأنفسهم وان يشرعوا لانفسهم بأنفسهم طالما انهم لم يخرجوا على اصول العقيدة حققت لشعوبها ازدهارا وقوة وحضارة مكنتها من ان تغزو بلادنا وتسودها, بل وتسود العالم كله ورحم الله جمال الدين الافغاني ــ ولعله محمد عبده ــ الذي زار اوروبا في نهاية القرن الماضي فأذهله نظامها السياسي القائم على العدل والمساواة والحرية فعاد ليقول: وجدت لديهم اسلاما وليس فيهم مسلمون.. ونحن مسلمون وليس لدينا اسلام! ان قرار اغلاق سجن المزة وتحويله الى مستشفى او حديقة كقرار اغلاق سجن القلعة وتحويله الى متحف ــ خبر سعيد بحق خاصة انه تواكب مع قرار الرئيس السوري بشار الاسد بالافراج عن جانب من المعتقلين والمسجونين السياسيين في سوريا ومع قرار امير البحرين بتشكيل لجنة لدراسة تطوير النظام السياسي في بلاده لتتحول الى ملكية دستورية ومع تطورات ديمقراطية تجرى في المغرب ومع اجراءات الانتخابات العامة في مصر تحت الاشراف القضائي الكامل وهي كلها خطوات طال انتظارها ولعلها ابطأ بكثير مما كان متوقعا ولكنها تدل دلالة قاطعة على ان النظام العربي قد وعى الدرس وادرك انه لم يعد يستطيع ان يعيش على خريطة العالم في مطلع الالفية الثالثة, وهو اسير انظمة سياسية آن الاوان لكي توضع في متحف التاريخ.. وإلا قادتنا نحن العرب الى هذا المتحف! اما الشيء المؤكد, فهو ان هذه الخطوات المترددة لتحديث النظام السياسي العربي, سوف تقودنا اذا تواصلت الى بلوغ ما عجزت الدولة الثورية المعصومة عن تحقيقه من احلام جيلنا فالديمقراطية هي التي حافظت على وحدة الولايات المتحدة الامريكية, على الرغم من تعدد الاصول القومية لشعوبها اما نحن فقد عجزت الدولة الدينية المعصومة عن الاحتفاظ لنا بالامبراطورية العربية, وعجزت الدولة القومية المعصومة عن الاحتفاظ لنا بالجمهورية العربية المتحدة التي ضمت مصر وسوريا اكثر من ثلاث سنوات! ايامها غنينا مع (صباح) اغنية ظلت شهيرة لسنوات, يقول مطلعها: (من الموسكي لسوق الحميدية.. انا عارفة السكة لوحديا) بعد الانفصال بخمس سنوات كنت اقشر طبقات الطلاء في زنزانة سكنتها بسجن القلعة بحثا عن اسماء من سكنوها قبلي وجدت اسما لمواطن سوري من اللاذقية وتحتها بيانات وتورايخ لعهد الوحدة فهمت منها انه كان معتقلا في سجن المزة ثم رحل الى القاهرة, حيث اودع في سجن القلعة وتحت هذه البيانات كتب: (من القلعة لسوق الحميدية.. ومن المزة حتى اللاذقية انا عارفة السكة لوحديا).