ماذا تعني استقالة رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك من منظور الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الجاري على الارض راهنا؟ هذا السؤال ظل يطرح بشكل او بآخر في الصحافة الامريكية قبل ان يعلن باراك نية الاستقالة, فقد تساءل عدة معلقين امريكيين, ابرزهم توماس فريدمان اليهودي الاصل, عما يمكن ان يحل بالشعب الفلسطيني اذا تنحى باراك (المعتدل) واخذ مكانه بنيامين نتانياهو (المتشدد) او الجنرال آرييل شارون (الاكثر تشددا). بهذا التساؤل كانت مقالات المعلقين الامريكيين تبدو بصورة غير مباشرة وكأنها نصح يتوجهون به الى قادة الانتفاضة الفلسطينية بحيث بدت الرسالة كما يلي: لن تجدوا عرضا خيرا مما قدمه اليكم باراك, فساعدوه على البقاء في السلطة بتقديم تنازلات تفاوضية من جانبكم حتى تصلوا معه الى صفقة (معقولة). اما اذا تشددتم فإن باراك سوف يفشل سياسيا. واذا فشل فإن خلفه نتانياهو او شارون سوف يبطش بكم دون هوداة او رحمة. هذه (النصيحة) التي تبدو بريئة ليست بريئة. فهي دعوة تنطلق من اعلاميين امريكيين متحيزين اصلا الى اسرائيل ومتعاطفين مع الامة اليهودية. ولهذا فإن الدعوة تتكامل مع الخط الرسمي الامريكي الداعي الى اجهاض الانتفاضة الفلسطينية قبل ان تتمكن من حمل القيادات الاسرائيلية على تراجع سياسي ذي طبيعة استراتيجية حاسمة. ولننظر في الحالة الاسوأ للسيناريو المستقبلي الذي يتنبأ به هؤلاء المعلقون الامريكيون وغيرهم. لنفترض ان الانتخابات الاسرائيلية المرتقبة التي دعا الى اجرائها باراك لتعقد خلال شهرين كحد اقصى أتت بالجنرال شارون كرئيس حكومة, ان اعلى سقف لاجندة شارون يتمثل في نظرية (الوطن البديل) والاشارة هنا هي الى الاردن.. وهي تعني ببساطة طرد الشعب الفلسطيني من ارضه وترحيله قسرا الى الاردن باعتبارها (وطنا بديلا) للفلسطينيين. لقد اطلق شارون هذه النظرية ابان ظروف الانهزام الشعبي الفلسطيني ومناخ اليأس القاتل الذي افرزته هذه الظروف عقب ابرام اتفاق اوسلو. وحتى في تلك الظروف السوداء بدت النظرية كأسطورة مشكوك في قابليتها للتطبيق. الآن اختلف الامر. فقد ادى اشتعال الانتفاضة وتعاظم ايقاعها واستمراريتها حتى دخلت شهرها الثالث وهي اقوى مما بدأت به الى خلق واقع فلسطيني جديد تماما: واقع انقلب فيه الوضع السياسي رأسا على عقب بحيث ان الطرف الاسرائيلي صار في موقع الدفاع عن النفس عوضا عن مبادرة الهجوم. لقد ولى عهد التنازلات والصفقات الغربية المريبة بحيث لن يجرؤ الآن عرفات او اي زعيم عربي آخر على مجرد التفكير في مناقشة نظرية شارون فضلا عن القبول بها. ان اسرائيل تعيش الآن ازمة سياسية خطيرة يتبادل فيها القادة السياسيون يمينيين ويساريين, علمانيين ودينيين, القذف بالطين وتبادل الاتهامات واللوم بسبب شعور بالاحباط يغشى الجميع ناتج عن الفشل في وضع نهاية للانتفاضة الفلسطينية. واستقالة باراك هي في الحقيقة الخطوة الافتتاحية لتفجر الازمة الاسرائيلية على اوسع نطاق ضمن فصول سوف تتوالى خلال المستقبل المرئي.