تشدنا في ليالي رمضان شاسة التلفاز بما تحفل به ــ كالمعتاد ــ من الوان الفن واشكاله وان كان اكثرنا ينجذب الى هذا الصندوق السحري, فإن هناك ايضا من يلجأ الى المذياع يصيخ سمعه اليه ويطلق خياله مع عالم الاثير ليكمل المستمع من عنده ابعاده (الصورة) التي مرت الى عقله عبر اذنيه. المهم اننا نسمع ونشاهد اكثر بكثير مما نقرأ في ليالي هذا الشهر الكريم. ويتوزع الناس على قنوات التلفاز او موجات الاذاعة ما بين مترقب لحديث ديني, ومنتظر لبرنامج سياسي ومتلهف الى لقاءات فنية وترفيهية وشغوف بعمل درامي من تلك المسلسلات التي تحفل بها الشاشات والموجات على السواء. ولعلي واحد من اولئك الملايين الذين ينجذبون الى مسلسل هنا او هناك خاصة اذا كان قد كتب باتقان وعمق ولمس شيئا من الهم العام للمجتمع ثم اذا اضيف الى ذلك جمال الصنعة ومهارة الممثلين, حتى يقدم رسالته الى الناس محمولة على جناحين احدهما الجمال والآخر الايحاء غير المباشر بمضمونه القيم ومغزاه النبيل. ومن اهم الاعمال الدرامية التي يشاهدها الناس في هذه الليالي الرمضانية وتعرض على غير محطة فضائية عربية مسلسل (أوان الورد) الذي تقوم بتمثيله نخبة متميزة من الفنانين المصريين وان كان ما يميزه قبل هذا وبعده انه كتب وأخرج بصورة فنية جيدة. ما لفت نظري في هذا المسلسل التلفزيوني وربما نظر آخرين انه يطرح قضية مهمة واساسية بل شديدة الحساسية, ليس في المجتمع المصري فقط, بل في كل المجتمعات العربية على امتدادها وهي قضية الصراع بين التسامح والتعصب في الحياة الاجتماعية وخاصة عندما تتعدد في المجتمع طوائف مختلفة فيما بينها بين عقيدة ومذهب. فالرجل بطل المسلسل مسلم, والبطلة متحدرة من ام مسيحية وأب مسلم كانا قد تحابا وتزوجا وتدور احداث المسلسل حول مجموعة من القضايا التي يعاني منها المجتمع المصري اليوم وخاصة قضية العلاقة بين الاقباط والمسلمين وهي قضية شائكة ومعقدة ولها امتداداتها الاقليمية والدولية في وقتنا الحاضر. صراع التسامح والتعايش هو الخط الواضح والصريح في هذا المسلسل الدرامي, بحيث تظهر لنا المشاهد في مجملها ان التعصب هو القبيح والمنبوذ, بينما التسامح هو الجميل والمطلوب وقضية التسامح والتعصب تبرز في اشكال مختلفة وتتجلى بصور شتى في مجتمعنا العربي على امتداد رقعته من الخليج الى المحيط, فالمجتمعات العربية مثلها مثل المجتمعات الاخرى في هذا العالم الفسيح هي ليست نسخة واحدة وموحدة ومتشابهة ولا يمكن ان تكون بل هي نسيج اجتماعي متداخل جذوره ــ بطبيعة الحال ــ قادمة من منابع ومنابت شتى, تتخلله مصالح متضاربة ومتعارضة. ويعزو البعض (القبح) الذي يطغى على الحياة الاجتماعية في مجتمع من المجتمعات يعزوه الى ما ينتج عن صراع المصالح في المجتمع (الذي هو امر عادي وظاهرة اجتماعية حتمية) , حيث يحقق البعض مكاسب معينة نتيجة هذا الصراع (العادي) فيفسر الآخرون هذه المكاسب على انها محض امتيازات لهذا البعض نتيجة عقيدته او جنسه او طائفته... او خلفيته الاجتماعية, وأن الاخرين يحرمون من هذه المكاسب للاسباب نفسها والمعلوم انه كلما خرجت خطوط الصراع الاجتماعي عن المقبول والمتوقع وكلما انتقلت من الفردي والخاص, للتحول الى الجماعي والعام, بذرت روح التحيز والتعصب لتنبت وتتفرع غصونها الشائكة في نسيج المجتمع فتوجع قلبه وتسيل دماءه. وينقسم المجتمع ويتشرذم وينحاز افراد وجماعات لهذا التوجه او ذاك بينما ينحاز آخرون الى توجه مخالف وربما مناقض, وتسري في المجتمع بذرة الشقاق ليس فقط بوجهه السياسي المقنن والمحسوب, بل يتعدى هذا الى الوجه الاجتماعي غير المقنن ولا المنضبط وتتوافر على اشعاله جماعات مصلحية مما يورث الفتنة ويؤجج الشقاق, ليصل في بعضه الى حروب اهلية دامية لا تنتج الا خرابا. ليس من اهدافي ان اشغل القاريء بالحديث عن عمل درامي او ان اقحمه في مقالة (مديح) لهذا المسلسل برغم علو قيمته الفنية وجودة مضمونه لكن هذا المسلسل التقى في عقلي مع برنامج استمعت اليه من هيئة الاذاعة البريطانية ــ منذ ايام ــ تضمن لقاء مع الفنانة نجاح سلام (وقد اشارت الاذاعة الى ان اللقاء معاد وانه اجري مع الفنانة قبل سنوات). قالت الفنانة نجاح سلام ان عائلتها كانت تعارضها في الاتجاه الى ان تصبح فنانة وتحترف الغناء, بل انهم اصروا على الحاقها بمدارس راهبات لابعادها عن هذا الطريق كما كانوا يرون ولكنها قاومت ذلك. واصبحت بعد ذلك مطربة مشهورة, والقصة في هذا ليس فيها جديد ولكن الجديد انها اضافت ان بناتها رغم حلاوة اصواتهن, قد اخترن التحجب والبعد عن الفن, ثم اردفت بالقول انهن فعلن ذلك لانهن شاهدن مسلسلا تلفزيونيا اذيع منذ سنوات على احدى القنوات العربية حول حياة وأعمال ابو حنيفة النعمان! بيت القصيد فيما اوردت طائفة منه هو اهمية دور الفن بأشكاله المختلفة في الاقناع والتبصير والتأثير وتقديم الحسن ونبذ القبيح في القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية والاخلاقية فالفن ليس مجرد ترفيه او ازجاء وقت في الترويح عن النفس بل هو وسيلة خصبة وغنية ومنتجة وفاعلة في الاقناع بالحسنى وتبصير المجتمع بأسره بمضار المظاهر السلبية التي تنخر في عظامه سواء تمثل ذلك الضرر في انتشار المخدرات بين الشباب او السلوك السيىء في العلاقات الانسانية او التعصب المذموم او الغلو والفجور في المخاصمة بين الجماعات المختلفة وهي امراض اجتماعية يسعى اي مجتمع الى معالجتها والتخفيف من مضارها تحقيقا لعوامل السلام الاجتماعي والمصالحة مع النفس ومع الآخر. الفن اذن وسيلة عظيمة للاصلاح والفنانون هم ادوات لهذه الوسيلة المهمة. وسواء خرج هذا الفن في صورة اغنية جميلة معبرة او مسلسل تلفزيوني او لوحة جميلة او قطعة موسيقية, او شكل تعبيري فإنه ــ اي الفن ــ يمثل اداة فعالة في يد المجتمع تبصره بأخطائه وتصحح مسيرته وهي الرسالة التي تقوم بتنفيذها هذه الطائفة من الفنانين بجهد متواصل واقتناع تام. ولعل مما يصادق على هذا الكلام ما سمعته اثناء لقاء رسمي وكان مع رئيس البرلمان الايراني السابق آية الله ناطق نوري, ففي حديث عن الفن ورسالته قال الرجل: (ان فيلما سينمائيا واحدا جيدا, خير من ألف خطيب مفوه) في اشارة منه لصناعة السينما الايرانية التي وضعت ايران في السنوات الاخيرة في مقدمة الدول التي اخترقت كل حصار دولي, وكل الصور المشوهة التي سعى الاعلام الغربي الى الصاقها بها, وما كان هذا الا بسبب جهد فنانيها السينمائيين. الفن اذن له رسالة والتعصب ضده هو تعصب لا معنى له ولا تفسير الا الفهم المغلوط لمضمونه والنظرة المشوهة لدوره, والغفلة عما يمكن ان يفعله الفن في خدمة المجتمع والتوجه به الى قيم الحق والخير والجمال. فكم من مجتمع كاد يخسر قضية ما ولكن الفن انقذ هذا المجتمع من الخسارة, ورفع شأنه وجعل قضيته حديث العالم حتى تحقق للمجتمع ما أراد. الفن مثله مثل الادب, سواء في الابداع او التأثير فما زلنا نترنم بأشعار المتنبي وأبي تمام والبحتري وايليا ابو ماضي وأحمد شوقي بعد ان اندثرت عظامهم وبعدت بيننا وبينهم الازمان. وما زلنا نتذكر بشارة واكيم ونجيب الريحاني, ونطرب لاغاني فيروز, في السرور والفرح, وحتى اذا اشتد بنا الخطب وجدنا انفسنا ندندن ــ مع دموعنا ــ بـ (زهرة المدائن) و(راجعون)! المجتمعات المتحضرة تقدم الفنانين على انهم من رواد المجتمع ونجومه وتكرمهم وتحتفي بهم لما قدموه لمجتمعهم من اعمال وتشد من ازر الفنان وتسهل له الطرق لأداء فنه لانه يقدم خدمة للمجتمع كما الجندي في ساحة القتال وعندما يستمتع هذا الفنان او ذاك بدفء تعاطف مواطنيه يبدع المزيد ويبتكر كل ما يخدم مجتمعه ويدفعه قدما نحو تحقيق رسالته. الفن ليس خطبة مباشرة ولا درسا يحفظ عن ظهر قلب كما انه ايضا ليس تقريعا وردعا للناس عن ممارسة افعال مذمومة وهو ليس انحيازا لفكرة سخيفة عابثة (حتى ان البست ثوبا جميلا) كما انه ليس محاكاة مباشرة للواقع او نسخة كربونية عنه لكن الفن هو اقناع بقضية وتوعية برسالة وتنوير للعقل الجمعي من دون خطابية ولا زعيق وانما بأساليب وطرق وأدوات يعرفها الفنانون ويتعاملون بها, ولا يجيدها غيرهم والفن بتفرعاته المختلفة هو اهم اشكال التأثير في الناس في وقتنا الحاضر, فكم من قضية بقيت عالقة في الاذهان لأن فنانا قد تناولها بحس انساني رفيع وبلغة فنية رائعة اجبرت التاريخ على تخليدها.