أتذكر من ضمن ما قرأت منذ مدة كتابا لأحد الأدباء الفرنسيين يدعو فيه الجميع بأن يعيشوا بهدوء, وألا يتركوا الزمن يجبرهم أو يدفعهم للاستمرار في خيار اللهاث والسرعة وراء كل تفاصيل الحياة مهمها وتافهها, جميلها ، وسيئها. ان الناس كما يقول الكاتب الفرنسي (بيير ساسو) يركضون حتى وهم متوجهون لاحتساء فنجان قهوة مع صديق حميم. في كتابه (الاستخدام الجيد للايقاع البطيء) يصرخ هذا الكاتب محتجا ضد عالم يركض بلا داع إلى قاعات السينما, وبوابات المسارح, ومواقف السيارات, وكرنفالات التسوق, وحفلات الأعراس والمطاعم ومواعيد الأصدقاء, ومكاتب العمل ومواقف الباصات والقطارات وحتى إلى أبواب المصاعد الكهربائية!! لقد أصبح الجميع مقتنعين تماما بأنهم يعيشون في زمن السرعة, فإذا لم يركضوا فإنهم يرتكبون حماقة البقاء في آخر الطابور, وربما وجدوا أنفسهم يوما خارج البوابات. ولانه يركض بلا نظام وبلا تحديد دقيق لما يريد, وربما لانه يريد كل شيء دفعة واحدة فلا يمر عليك يوم لا تسمع فيه العبارة التبريرية الجاهرة (لم يعد لدينا وقت) وفعلا لم يعد لدى الإنسان وقت ليجلس مع أهله, مع أصدقائه, مع نفسه, لم يعد يقرأ وليس لديه وقت لممارسة الرياضة أو حتى التسكع في أماكن هادئة أو ممارسة حق (الاستراحة) استمتاعا بالحياة الهادئة, والسبب عدم وجود وقت.. إذن فأين يذهب كل الوقت, إذا استثنينا النوم وفترات تناول الطعام, والعمل الرسمي؟ سيقول أحدكم: بهذه الأشياء سينتهي الوقت, فكل عمر الإنسان ذاهب في ساعات الدوام الرسمي والنوم وتناول الطعام ومشاهدة التلفزيون. الكاتب الفرنسي ينظر إلى الطبيعة فيجد ان أجمل الأشياء تعيش ببطء كأنه الخلود, دون أن يعني ذلك أي نوع من الخمول أو الخواء أو الحياة في منفى الوحدة والبطالة, فالأشجار تعيش مئات السنين مانحة الطبيعة والبشر شعورا بالعراقة والجمال لسبب واحد هو انها تعيش ببطء وتمهل. كثيرون يتمنون أن يعيشوا ولو يوما واحدا بشكل هادئ وايقاع بطيء وحميم, يتحركون فيه دون أن يتعرضوا لاستنفار عصبي بسبب رنين المنبه في الصباح ورنين الهاتف طوال الوقت, و(صياح) الموبايل الذي لا يتوقف, يريدون أن يناموا بهدوء ويستيقظوا ساعة يشاؤون بدون منبه قد يتسبب أحيانا في توتر عصبي طوال اليوم للبعض, كثيرون يتحدثون عن الحياة بايقاع هادئ دون أن يعني الهدوء أي نوع من الخمول والكسل والبلادة, كثيرون يحلمون بيوم جميل يحتسون فيه قهوتهم على مهل, ويقرأون الصحيفة باستمتاع ودون تعجل ويطالعون كتابا حتى النهاية, دون أن يضعوا ساعة سويسرية دقيقة في معاصمهم.. فقط ليوم واحد ليس أكثر. دعوة الحياة بايقاع هادئ تحتاج إلى تفكير لانها دعوة جميلة خاصة في شهر حميم وكريم كشهر رمضان المبارك.