الدكتور حسين فوزي واحد من أعلام العلم والأدب والفن في زماننا المعاصر. وقد جمع بين هذا كله بفضل عزيمة مثابرة تستند بداهة الى استعداد فطرى موهوب للملاحة في بحار شتى.. بحر العلم التطبيقى, فقد بدأ حسين فوزي حياته المهنية طبيبا للعيون وبهذه الصفة اختاروه ليصاحب بعثة علمية اسندت اليها مهمة الملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهندى لدراسة الحياة البحرية, في تلك المنطقة على متن الباخرة (مباحث) (هكذا كان اسم السفينة العلمية مشتقا لطبيعة الحال من البحث والدراسة كي ينصرف ذلك الى الفرع اياه من هيئة الشرطة.. جعل الله كلامنا خفيفا على الفرع والهيئة على السواء). وعندما خاض الطبيب حسين فوزي غمرات البحر والمحيط استهواه أمران كان لهما تأثيرهما البالغ المحورى في حياته وفكره ومستقبله: الأمر الأول هو حياة البحر ودراسته ومحاولة الاقتراب من أسراره.. والأمر الثانى هو تاريخ المناطق والاصقاع والأمصار التى اجتازتها السفينة (مباحث), كان ذلك في عام 1925 على ما تعي ذاكرتنا ومن ثم اشتعل شغف حسين فوزي بالتاريخ في مراحله المختلفة التى انتج فيها العم حسين كتاباته الجميلة الشائقة.. ما بين التاريخ الغابر الذى أصدر عنه كتابه بعنوان (حديث السندباد القديم) ومازلنا نعتز باهداء الكتاب الينا.. وقد وصفه مؤلفه الكبير بأنه بضعة من نفسه في سورات الشباب. اختار حسين فوزي طريقه العلمى فكان ان أوفدوه في بعثة الى فرنسا, لا لدراسة طب العيون الذى كان قد تخصص فيه, ولكن للتحول الى دراسة علم الاحياء المائية والحياة البحرية الذى نال فيه درجة الدكتوراه.. وبعد أن عاد الدكتور حسين الى مصر ظل يثري الحياة الثقافية العربية بكتاباته في التاريخ القديم والتاريخ الوسيط, محللا في فهم ساخر ووعي تاريخى مرور مرحلة الغزو العثمانى للوطن العربي فيما ظل يثري الحياة الجامعية البحثية باضافاته وتلاميذه في مجال علم البحار الذى يعد واحدا من رواده في دنيا الأكاديميا العربية. ثم سلك حسين فوزي سبيلا جديدا لاثراء وعينا وصقل الذائقة الفنية في وجداننا واسماعنا.. في شبابه كان الفتى حسين ابن القاهرة وربيب مجالسها وصالوناتها ومنتدياتها يحب الموسيقى, وقد صاحب يوما سيد درويش خلال مراحل ثورة 1919 وكم شعر, هو واقرانه من الشباب المثقف من خريجى المدارس العليا كما كانوا يسمونهم آنذاك أن الموسيقى الراقية الرفيعة هى غذاء الوجدان للشعوب خاصة حين يكون النغم معبرا عن روح الشعب.. تاريخه.. همومه.. طموحاته وجوهر شخصيته.. وعندما اقام حسين فوزي في أوروبا استطاع أن يصقل موهبته في تذوق الموسيقى الراقية وعاد الى وطنه محملا بل مشحونا بأنغام الكلاسيكيات الشوامخ عن بيتهوفن وموتسارت وباخ وشوبان وفاجنر وسائر المبدعين الكبار للموسيقى الكلاسيكية.. بل كان الدكتور.. عالم البحار.. طبيب العيون العميد الجامعى والاديب الكاتب المؤرخ.. كان عازفا للكلمات عارفا بأسرارها. يجمع في ذلك بين ذوق الهاوى وبين عمق المعايشة عند أهل الكار. لا عجب أن تنوعت آثاره الفكرية والفنية: كتابات في التاريخ.. وفي أدب الرحلة حيث اتخذ لنفسه لقبا أدبيا هو السندباد العصرى أو المصرى أو حتى (سندباد في سيارة) وهو عنوان آخر رحلة قام بها في عقدى الستينيات والسبعينيات داخل سيارته التى تجولت في ربوع المغرب العربى وفي جنوب أوروبا وربوع من وسطها ومازال ابناء الأجيال المخضرمة يذكرون صوته المتحمس يتناهى اليهم على موجة البرنامج الثانى من خدمات اذاعة القاهرة وكان برنامج الفن العالى والثقافة الرفيعة وهو يشرح في فهم واثق روائع النغم الراقى التى كان يختارها ويقدم لها ثم يقدمها الى جماهير المستمعين.. ومن يومها تعلمت اجيال معنى النغم المحترم ومعنى أن الموسيقى فن عظيم يتعدى حدود الاوطان ليعانق ابداع الانسانية عبر السدود والحدود وإن الإنسان العربى المعاصر يمكن أن يعتز بإبداع السيمفونية الخامسة الشامخة الجليلة عند الألمانى بيتهوفن, كما يتذوق كونشرتو البيانو عند البولندى شوبان.. أو يشغف بفالس الدانوب الأزرق المفعم رقة وعذوبة عند النمساوى شتراوس, تماما كما يعتز الانسان العربى المعاصر بابداع الدور عند محمد عثمان أو عبده الحامولى أو جمال الاداء الوترى الايقاعى في بشرف عصام بك أو سماعى بياتى لابراهيم العريان وابداعات سيد درويش الجسورة أو قصيدة أبى فراس اراك عصي الدمع وقد اخرجتها الى الاسماع الأصوات الذهبية ما بين عبده الحامولى الذى سمعنا عنه ولم نسمعه.. الى أم كلثوم وقد ملأت هى وعبدالوهاب حياتنا واسماعنا نغما وطربا وشجنا وحبورا. كان الدكتور حسين فوزي صديقا للعميد الدكتور طه حسين وكنت العبد لله اتلهف الى الجلوس اليه كى اسمع بعض ما يحكيه في خفة روح أصيلة عن بعض ما كان يشاهده من سلوكيات طريفة داخل فيللا (رامتان) بيت طه حسين الذى كان وقورا متئدا فيما كان صديقه حسين فوزي فياضا بالحيوية رغم انه كان يخطو الى شيخوخة.. بل كان ساخرا في الحديث وفي الابداع الأدبى على السواء. لا أزال أذكر له حكاية (البيه نايم) آية على المفارقة الساخرة بين آمال تنعقد ومنى تتعلل بها النفس وتعمل بالجيشان الى حد الذروة, وبين ما تفرضه صروف الحياة ومفارقاتها من احباط تتأذى به نفوس البعض.. فيما يتعامل معه البعض الآخر بمنطق السخرية والبحث عن عنصر المفارقة والتهكم على صروف الحياة من هذا البعض الساخر كان العم حسين فوزي الذى حكى في بعض كتاباته عن سعادة البيه (ولعله كان يقصد نفسه) الذى ظل يتراسل مع حسناء أوروبية ردحا لا بأس به من الزمن.. وارتفعت حرارة الجوابات واكتست المراسيل بين الشاب المصرى وبين الغادة الأوروباوية عاطفة وشغفا وشوقا الى لقاء يفضى من ثم الى ارتباط وزواج. وهكذا دعاها الى زيارة بلاده فأخطرته بموعد وصول السفينة التى سوف تقلها الى ميناء الاسكندرية, صحب البيه خادمه كما يحكى حسين فوزي من القاهرة الى الاسكندرية.. تسبقه دقات قلبه وتوافيه ساعة الجيب الذهبية التى يحملها على عادة أهل ذلك العصر بأن موعد اللقاء المنشود بات بعد ساعات قلائل فيما ظل الفتى ابن الحسب والنسب البيه كما تسميه الحكاية يتحسس آخر مكتوب وصله من الحبيبة أو الخطيبة المرتقبة يحكى عن شوقها المشتعل وآمالها المتقدة تطلعا الى لقاء الميناء.. أبلغوه ان السفينة سوف يتأخر وصولها ساعة أو بضع ساعات.. دخل الى مقصف الميناء يريح النفس من التعب ويمني النفس أيضا بقرب الوصال ويشرب.. بالمرة.. فنجان قهوة سكر خفيف.. أمر خادمه الذكى الألمعى بأن يترقب لحظة الوصول يخبره كي يخف مشتاقا الى (الهون) الجميل المنشود.. شرب البيه قهوته وربما مال رأسه اذ خالطه طائف مؤقت من نعاس.. القى الخادم نظرة على البيه وسارع الى حيث وصلت السفينة يرحب بالزائرة العزيزة عند الوصول.. كم كان شوقها مثل الحجر وكم كانت لهفتها شديدة حين سألت الخادم وقلبها يتنافر بين الضلوع: * أين فلان؟ ــ البيه نايم. ولك أن تتصور حجم جبل الثلج الذى انهال على رأس الخطيبة الجميلة القادمة من وراء البحار.. جليدا من خيبة الأمل والاحباط لم يفلح معه أى تفاهم أو تفسير أو اصلاح, من يومها ظل الدكتور حسين فوزي يستخدم عبارة (البيه نايم) ليعبر بها عن تناقض حياتنا العربية.. نحن نملك موارد طائلة ونحوز امكانات بغير حدود.. ولكن حساب بيادرنا لا ينطبق قط على نتاج حقولنا.. مقدماتنا لا تصل الى نتائج وقدراتنا الضخمة لا تحقق لنا قوة ولا متعة ولا ارادة ولا جدوى ولا سلطانا. لماذا؟ لاننا قد نقرر وقد نعزم وقد نتكلم وقد نشرع في الحشد والتعبئة.. ولكننا لا نصل بالأمر الى منتهاه ولا نترجم الامكانية الى فعل.. فنظل نراوح اماكننا, ونلوك الشعارات ونتعلل أبدا بالأمنيات التى لا يتحقق منها شيء.. لماذا؟ لأن.. البيه.. نايم.