لطالما أظهر المهتمون بتطور النظم الإقليمية إعجابا فائضا بمسيرة التجربة الاتحادية الأوروبية, وكان معظم الوحدويين العرب وما زالوا, بين الذين أخذوا بسحر هذه التجربة. فهي عندهم بمثابة حالة قياسية, تبعث على الاعجاب, بقدر ما تثير الحيرة. ذلك بأن العوامل المحددة للتطور الوحدوي, تتوفر للعالم العربي على نحو أكثر ثراء ورسوخا, بما يفترض معه أن تكون التجليات العربية لهذا التطور هي مصدر الالهام للأوروبيين وليس العكس. على أن متابعي المسيرة الأوروبية كثيرا ما عبروا عن دهشتهم من ضعف خاصتي السياسة الخارجية المشتركة والدفاع المستقل ومما قيل بالخصوص, إن هاتين النقيضتين حالتا دون تبوؤ القارة العجوز مكانة القوة العظمى مطولا, سواء في عهد القطبية لدولة الثنائية غداة الحرب العالمية الثانية أو بعد أفول هذا العهد. وكان الأوروبيون أنفسهم يتوقفون عند هذه الملاحظة. وفي مناسبات بعينها, كالحوار العربي الأوروبي, حاولوا استغلالها لابداء الأسف من عدم قدرتهم على تلبية مطالبة الآخرين لهم باتخاذ مواقف صارمة تجاه بعض القضايا الدولية الساخنة (مثل معاقبة اسرائيل بشكل جماعي, سياسيا أو اقتصاديا, نتيجة لسلوكها العدواني بحق الشركاء العرب في جنوب المتوسط!). أثناء الجدل المحتدم داخل الأروقة الأوروبية وخارجها, حول مستقبل بعدي الأمن والسياسة الخارجية للنظام الأوروبي, لاسيما في ضوء النجاح الذي حققه النظام على الصعد الأخرى, الاقتصادية والقضائية والادارية وغيرها, أثناء هذا الجدل, كان الفكر الأوروبي الوحدوي يجتهد في ابتكار الصيغ الكفيلة بتخطي نقائصه, وازاحة العقبات والمخاوف الخاصة بهذين البعدين. ويبدو أن هذا الفكر تمكن مؤخرا من تحقيق بغيته, واضعا حدا لنقاش صاحب التجربة الاتحادية الأوروبية منذ بدايتها قبل زهاء خمسين عاما. فعندما التقى زعماء الاتحاد الأوروبي في مدينة نيس الفرنسية (7-8 ديسمبر ــ 2000) وجدوا أمامهم مشروعا متكاملا لانشاء قوة التدخل الأوروبي السريع (أوروفور). أعده مؤخرا وزراء دفاعهم, ولم يبق للمضي في تنفيذه سوى مصادقتهم عليه. حدد المشروع القوة المقترحة بمئة ألف جندي ونحو 400 مقاتلة ومئة سفينة حربية. وسوف تقدم دول الاتحاد الـ 15 باستثناء الدنمارك, مساهمات تتوازى وحجم قواها العسكرية. وسيكون لهذه القوة الدفاعية المشتركة هيكلية قيادية من هيئة أركان ولجنة عسكرية. وبحلول العام 2003 ستصل القوة الى مستوى القدرة على الاداء العملياتي. ويقول الأوروبيون أن مهام الأوروفور تتعلق بالتدخل السريع لحفظ السلام في مناطق أوروبية تقع بعيدا عن نفوذ الناتو, أو في تلك الواقعة خارج الحيز الأوروبي ويوصي مجلس الأمن بفض المنازعات المسلحة فيها. باستعراض ما رشح عن هذا المستجد, ندرك أن الأوروبيين تغلبوا على بعض معارضي مبدأ تطوير قوة دفاع أوروبية على الصعيدين الداخلي والخارجي. داخليا, ثم اقتناع أعضاء لا غنى عن موافقتهم في هذا المضمار وفي طليعتهم بريطانيا, كما جرى تخطي الأعضاء الذين لا يمثل استثنائهم عائقا مهما مثل الدانمارك, وخارجيا, استجاب الأوروبيون لشروط الشريك الأمريكي في الناتو, وأهمها استمرار احتفاظ الحلف القديم بدور الدفاع عن تراب ومصالح الحلفاء في نطاق ميثاق الأطلسي, كما حرص المشروع الأوروبي على تأكيد مرجعية الأمم المتحدة وأن (مجلس الأمن يتحمل المسئولية الأولى في صيانة السلم والأمن الدولي..). علينا أن لا ننكر ما ستضيفه هذه الخطوة الكبرى الى التجربة النظامية الأوروبية, فهي على الأقل ستغلق باب الحديث الممتد حول جدوى تطور هذه التجربة بمعزل عن الشراكة السياسية والأمنية, وستؤسس لتوقعات ينبغي أن تتعزز بصدد المكانة الدولية للاتحاد الأوروبية كما أنها ستدفع قدما بالتداعي لبروز سياسة خارجية لهذا الاتحاد أكثر تبلورا, وذلك على اعتبار أن تحركات القوة الدفاعية ستتلو أو تنبني على مواقف مشتركة للدول الأعضاء تجاه القضايا موضوع الاهتمام والحركة. وفي تقديرنا أن الخطوة الأوروبية تنطوي على أصداء مهمة في رحاب النظام العربي: فأولا هناك الزخم الجديد الذي سيترتب على هذه الخطوة فيما يتعلق بالمقارنة التقليدية بين التطور الوحدوي الأوروبي والعربي على جانبي المتوسط. فمن المتوقع, بل والضروري أن يستشعر العرب الأسف والأسى من ديمومة صعود النظام الأوروبي نحو أهدافه الوحدوية, فيما النظام العربي الأسبق تاريخيا بعشر سنوات مازال يتعثر ويراوح في مكانه. ومما يجدر التذكير به في هذا السياق كيف أن هذا النظام الأخير أبرم ميثاقا للدفاع والتعاون الاقتصادي قبل المشروع الأوروبي العتيد بنصف قرن (1950) ولم يلحظ أحد جدوى حقيقية له على مدار هذه الحقبة! وثانيا: يتعين على العرب التيقن من تداعيات القوة الأوروبية على أمنهم القومي, فبعيدا عن مشاعر الاعجاب أو الغيرة, ثمة في الخطوة الأوروبية ما يستدعي الحذر وربما الارتياب العربي. لقد طمأن الأوروبيون أنفسهم وشركاءهم الاستراتيجيين في الناتو ولم يفعلوا مع جيرانهم العرب, وبحكم عوامل كثيرة, ومنها الجوار الجغرافي وتعرض المنطقة العربية لأنماط من القلاقل لا يمكن استبعادها, قد يشتق الأوروبيون أسبابا للاحتكاك والتدخل. وكان نفر من المحللين العرب قد تأبطوا بعض الشرور من المشروع الأوروبي العسكري حين تم التداول بشأنه منذ بضع سنين, وزادت مخاوفهم بفعل اقترانه باقتراح إحدى المدن المتوسطية الأوروبية كمركز قيادة للأوروفور, وكذا بإبداء الأوروبيين لاهتمام زائد بالبعد الأمني للشراكة المتوسطية مقارنة بأبعادها الاقتصادية والثقافية. وثالثا, ستحتاج القوة الأوروبية لوقت وجهد كي تبلغ حد الكمال المطلوب لاداء مهامها بكفاءة. وخلال هذه المرحلة سوف ينسق الأوروبيون عملياتهم كما هو مقرر في المشروع مع قوات الناتو التي تتزعمها واشنطن. ونتوقع أن تكون الأوروفور بمثابة ذراع للناتو يتحرك قريبا في المجال الأمني للنظام العربي. وهو ما يثير الهواجس وضرورة التحسب العربي من تداعيات هكذا تمدد للأطلسي جنوبا تحت عنوان أوروبي. لا ندري إن كانت هذه التطورات ستحفز النظام العربي على تجديد الثقة بميثاقه الدفاعي, من باب الإقتداء أو حتى من مدخل الحذر والاستعداد, ولكن الممكن حاليا وعاجلا هو فتح ملف الدور المحتمل للأوروفور عربيا والدفع العربي أمام الأوروبيين بطلب المزيد من الشفافية والمصارحة بهذا الخصوص.