لماذا يعقد دبلوماسي اجنبي معتمد لدى دولة ما اجتماعا في منزله مع قادة معارضة في تلك الدولة؟ هل هذا مسلك مشروع لا غبار عليه؟ في الاسبوع المنصرم طردت الحكومة السودانية الدبلوماسي الامريكي جلين وارين من البلاد بعد ان داهمت اجتماعا له مع سبعة شخصيات من قيادات (التجمع الوطني) المعارض بالداخل واعتقلت هذه الشخصيات تمهيدا لتقديمهم الى محاكمة. واقعة الاجتماع ذاتها ليس هناك اختلاف عليها, فالادارة الامريكية اقرت بحدوثها, الاختلاف هو في التفسير.. او بالاحرى الغرض من الاجتماع. فبينما تتحدث السلطة السودانية عن مؤامرة لاسقاط النظام بالقوة بدعم امريكي موعود للمعارضة فإن وزارة الخارجية الامريكية تقلل من جسامة الواقعة الى درجة اعتبارها من قبيل المسلك الدبلوماسي المهني الروتيني. فقد قال المتحدث باسم الوزارة (ان الدبلوماسي كان يقوم بمهام عمله باجتماعه مع فريق من السودانيين لمناقشة الوضع السياسي في البلاد). هو اذن وفقا للرواية الامريكية اجتماع بريء لمجرد النقاش العابر غير الهادف الى فعل تآمري. على اية حال سوف يحسم القضاء السوداني الامر لاستجلاء الحقيقة العارية. ونأمل ان تكون الحكومة السودانية على مستوى وعدها بضمان محاكمة عادلة للمتهمين توفر لهم فيها كل وسائل الدفاع عن النفس. هذا على مستوى القانون, لكن هل علينا كمعلقين الامساك عن الكلام على الصعيد السياسي الى ان تعقد المحاكمة وتنتهي؟ لحسن الحظ هناك هامش سياسي للتعليق.. ليس عن تفاصيل الحادثة ذاتها ومغزاها وانما عن المبادىء العامة المتصلة بها. ولحسن الحظ ايضا ان واقعة الاجتماع كمجرد واقعة ثابتة تماما.. ولو لم تكن كذلك لانكرتها الادارة الامريكية او شككت في وقوعها. هناك سؤالان: اولا, ما اذا كان اجتماع دبلوماسي اجنبي مع قادة معارضة امرا مشروعا ومألوفا اذا كان محصورا في (مناقشة الوضع السياسي في البلاد). ثانيا ما اذا كانت واقعة اجتماع الخرطوم تحديدا حادثة معزولة ام انها وردت في سياق ما؟ اذا كانت الادارة الامريكية صادقة في ادعائها بأن الدبلوماسي الامريكي لم يخطىء باجتماعه مع قاده معارضين في السودان دون استئذان الحكومة المضيفة او حتى ابلاغها مقدما بذريعة ان مدار الاجتماع كان مقصورا على (مناقشة الوضع السياسي في البلاد) فلماذا لا يجتمع دبلوماسي امريكي في سفارة الولايات المتحدة في القاهرة مع قادة تنظيم (الاخوان المسلمين) المعارض في مصر؟ او قادة تنظيم (النهضة) الاسلامي في تونس او قادة (حزب العمال الكردستاني) الانفصالي في تركيا؟ وهل يمكن مهما جمح بنا الخيال ان نتصور ان دبلوماسيا امريكيا في العاصمة الصينية بكين يعقد اجتماعا من وراء ظهر السلطات الصينية مع عناصر صينية معارضة؟ اما من ناحية السياق, هناك في الحقيقة سياقان: سوداني وعربي. سودانيا تأتي حادثة الاجتماع ضمن سياق تراتبي يتضمن دخول مساعدة وزيرة الخارجية الامريكية الاراضي السودانية في الجنوب دون استئذان رسمي من الحكومة.. وتبني واشنطن حملتين ضد السودان على صعيد الامم المتحدة لمنع الغاء العقوبات الدولية المفروضة عليه ومنع دخوله مجلس الامن ممثلا لافريقيا.. وقبل ذلك قيام امريكا بتدمير مصنع ادوية سوداني دون اي مبرر. عربيا.. الاستهداف العدواني للولايات المتحدة ضد السودان يأتي ضمن سياق يضم العراق وليبيا وسوريا: الاربع دول (راعية للارهاب). ومن ينظر في واقعة اجتماع الخرطوم خارج هذين السياقين يكون إما مغرضا او جاهلا.