منذ ان ادرك الانسان الاول اهمية النار من اجل الحصول على طعم لحم اشهى وألذ بدأت تتوالى احتياجاته فبدا مثقلاً بالأدوات الخدماتية الضرورية والتي يثقل نفسه بها في حله وترحاله, ولكن عندما بدأ الاستقرار الآدمي وتفاعل بنو البشر مع الأمكنة وأقاموا مجتمعاتهم قلت هذه الاعباء وبدأ يتحرر منها شيئاً فشيئاً لدرجة انها امست مع مرور الزمن ضرباً من التراث او شكلاً من اشكال الزينة, لكن الأمر مختلف تماماً لدى الانسان الحديث في مطلع الألفية الثالثة, فمع تقدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يجد نفسه ضعيف العلاقة بأمكنة الاستقرار, بل مضطراً لأن يحمل معه الكثير من الأجهزة الخدماتية التي تبعد عنه عزلته ووحدته, فأجهزة الهواتف المتحركة بخدماتها المعقدة لا تكفي هذا الانسان الحديث, بل تراه مثقلاً بأجهزة الكمبيوتر المحمولة والنداء الآلي, وقد قابلت احد الاصدقاء وهو مدشن بأجهزة طبية لقياس الضغط وفحص نسبة السكر في الدم. وهكذا يعود الانسان الى حالة الرعي الافتراضية, وها هو مرة اخرى مثقل بمعدات خدماتية تزيد من حالة التوتر التي تصيب المجتمعات المتمدنة اكثر مما تساهم في التهدئة والاستقرار. ويبدو ان نظرية الاستهلاك التي تؤكد ان اهمية الانسان تكمن بحجم الفائض الذي يتركه خلفه مع كل تصرف اجتماعي او اقتصادي بدأت تتحكم فينا رغماً عنا ولا أدل على ذلك من ان يتوقف كل منا للحظة مع نهاية كل شهر ليحصي عدد الفواتير والالتزامات المالية المتوالدة, ليسأل نفسه هل كانت ضرورة أم لا؟ وبمقابل ذلك فإن الواقع التاريخي يقول إن لدى الانسان معادلة غير صعبة يمكن التحكم فيها لتجعله بعيداً عن التوتر واللااستقرار غير المبررين وهي ان لدى الانسان قدرة عظيمة على تحمل المشاق والصعوبات وبمقابل ذلك فإن احتياجاته الأساسية محدودة وبسيطة, فإذا استطاع الانسان ان يوفق بين الاحتياجات من جهة والتحمل من جهة اخرى ضمن مفهوم (على قد فراشك مد رجليك) فإنه سيكون اكثر الناس سعادة وهدأة وراحة, فالقناعة كنز لا يفنى, فمن يقنع بالحد الأدنى من احتياجاته في يومنا هذا؟ hani@albayan.co.ae