للزملاء في قسم التصحيح نزف البشرى هذه المرة, ولا يفوتنا قبل أن ندخل في الموضوع ان نوجه لهم التحية, ونطلب لهم العون من المولى عز وجل على ما يتعرضون له من ألم وقهر لما تقع عليه أبصارهم ويقع تحت أيديهم من أخطاء تزخر بها كتاباتنا.. يتساوى في ذلك كاتب مرموق وصحفي مبتدئ تحت التمرين, ونشفق عليهم لما يكابدون من مشقة وما يبذلون من جهد لتصحيح هذه الأخطاء وجبر عثرات الأقلام, وان كنا ننحي باللائمة على رؤساء التحرير ونحملهم مسئولية (تدليع) الكتاب عندما أقاموا لهم خط الدفاع الحصين هذا الذي لولاه لانكشفت عورات واهتزت صور. كما ننتهزها فرصة للتعاطف مع الاخوة في قسم الصف الذين يعانون من رداءة خطوطنا ولا أظنهم يجدون مانعاً في إقامة دورات في الطباعة لنا عوض الوقت الذي يمضونه في فك طلاسم تلك الخطوط وإعادة النقاط النافرة منها الى أماكنها, علاوة على تحميلهم مسئولية الاخطاء التي غالباً ما تكون ساحتهم منها براء. نعود الى موضوعنا فنقول ان البشرى التي نزفها لزملائنا في قسم التصحيح هي اكتشاف زميل سابق لهم استطاع بالجهد والمثابرة والتصميم ان يصبح واحداً من أغنى الأثرياء في العالم ونجماً من نجوم السياسة العرب. ففي تحقيق نشرته احدى الزميلات مؤخراً أوردت قائمة بأغنى عشرة من أصحاب الملايين العرب خلال عام ,2000 احتل فيها رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري المرتبة الخامسة بثروة بلغت ثلاثة مليارات ونصف مليار دولار, وبعد الاحتراز بـ (اللهم لا حسد) نقول: ليس ذلك هو ما يعنينا بقدر ما لفت نظرنا أثناء قراءتنا لسيرة السيد الحريري الذاتية التي يعتز بكل مرحلة من مراحلها والتي نعتبرها نموذجاً للارادة وقوة العزيمة انه قد نشأ في عائلة متواضعة تعتاش من الزراعة, وقد بدأ حياته قاطفاً للحمضيات والتفاح ثم عمل بعد ذلك مصححاً صحفياً فمحاسباً فمدرساً فمدققاً للحسابات مرة اخرى قبل ان يدخل عالم المال والأعمال مؤسساً لشركة صغيرة في المملكة العربية السعودية غدت من كبريات الشركات بعد دمجها مع شركة (اوجيه) الفرنسية, حيث تولت تنفيذ العديد من المشاريع الكبرى ليصبح واحداً من كبار رجال الأعمال في العالم. ورغم سطوة عالم المال التي يسيل لها لعاب الجميع الا ان عالم السياسة كما يبدو كان الأكثر جذباً للسيد الحريري الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء اللبناني بعد انتهاء الحرب التي أعادت لبنان الشقيق سنوات الى الوراء, فأظهر في السياسة موهبة ومقدرة لا تقل عن مواهبه وقدراته في عالم المال والأعمال, بدليل انه قد عاد للمرة الثالثة بعد سنتين من الجلوس في مقعد المعارضة رئيساً لمجلس الوزراء, وكانت عودته هذه المرة اكثر قوة وأحب الى نفسه كونها جاءت تلبية لمطلب شعبي في بلد نعده من أكثر بلدان المنطقة ديمقراطية وانفتاحاً وممارسة لحرية التعبير عن الرأي سياسة واعلاما في ظل تركيبة سكانية دينية واجتماعية معقدة اشبه ما تكون باللوغاريتمات يتطلب السير في طرقاتها وعبور حقول الألغام التي يمكن ان تنفجر في اي لحظة فيها قدراً كبيراً من المهارة والدقة والحنكة التي لا تنقص ــ دون شك ــ السيد الحريري. نعود للاخوة في قسم التصحيح فنقول ان المعاناة ــ في رأي البعض ــ هي التي تدفع للتفوق والنجاح.. واذا اتفقنا مع هذا الرأي ــ مع أننا جميعاً نعاني منذ نعومة أظفارنا دون جدوى ــ فربما كانت معاناة زميلكم (السابق) رفيق الحريري مع زملائنا الكتاب والصحفيين الذين نعتقد انهم ما زالوا قابعين يراوحون في اماكنهم ولما ينضموا بعد الى قائمة المليونيرات كي نطلق عليهم صحفيين سابقين هي التي دفعته الى هجر مهنة التصحيح بعد ان (فقعت) مرارته اخطاؤهم فغادرها في محطة استراحة الى المحاسبة لينتقل بعد ذلك الى التدريس في محاولة للاصلاح من المنبع, حيث توضع اللبنات الاولى وتتشكل العجينة, فلما خاب الأمل وباءت جميع المحاولات بالفشل كان القرار ــ الذي وجد نفسه مضطراً لاتخاذه ــ بالانتقال الى عالم الأعمال ومن ثم الى عالم السياسة بعد ان سدت بقية الابواب. رفيق الحريري الذي شق طريقه بنجاح وثقة في عالم المال والسياسة, وهي معادلة صعبة التحقيق, اعجبتني جداً اجابته عن احد الاسئلة التي وجهت اليه خلال لقاء تلفزيوني ابان رئاسته الاولى للوزارة عندما أخذت المذيعة تكيل له المديح وتطري عصاميته واعتماده على نفسه في تكوين ثروته ونجاحه, مركزة على هذه النقطة بالذات لينبري لها قائلاً ان هذا المديح لا يسعده كثيراً ويعتقد انه يسيء لأناس كان لهم فضل كبير فيما وصل اليه, يأتي على رأسهم والده وأهله الذين لم يقصروا في تربيته والانفاق عليه حسب مقدرتهم وامكاناتهم, ولذلك فهو يدين لهم بالفضل فيما حققه, اذ لو لم يضعوا له الأساس الذي تكونت على قاعدته شخصيته لما استطاع ان يحقق شيئاً مما حققه, وهي اجابة قلما يسمعها المرء من انسان احرز نجاحاً من نوع ما في مجال من المجالات فما بالك بمن احتل مكانة كتلك التي احتلها السيد رفيق الحريري؟ وقد تعودنا في عالمنا العربي على وجه الخصوص وفي زمننا هذا بالذات ان نرى من انصاف الناجحين مواقف يتنكرون فيها لمن ساهم في صنعهم او ساعدهم على ارتقاء سلم الوظيفة أو أوصلهم بطريقة أو أخرى الى منصب من المناصب, فتراهم يحاولون التخلص من كل المحيطين بهم ممن عاشوا وشاهدوا قصة ارتقائهم وعرفوا تاريخهم.. كيف كانوا وكيف أصبحوا. أما أهم ما يحسب للسيد الحريري فهو ان الاهتمام بتكوين الثروة لم يشغله عن الاهتمام بجوانب انسانية غاية في الأهمية, فقد أنشأ في خط مواز للأعمال والاستثمار (مؤسسة الحريري) التي ساهمت في تعليم أكثر من ثلاثين ألف طالب لبناني في الجامعات الرسمية والخاصة داخل لبنان وخارجه, وهي منظمة لا تسعى الى الربح, وقد كان لها دور في تأمين خدمات صحية واجتماعية وثقافية للكثير من المحتاجين, فقدم بذلك ــ الى جانب آخرين ولكنهم قلة ــ المثل والقدوة لأصحاب المال الذين قلما يشغل بالهم التفكير في مثل هذه الأمور قدرما يشغلهم التفكير في مضاعفة ارصدتهم. ويبقى بعد ذلك السؤال الصعب عن الرقم الذي يجب ان يبدأ به المرء رحلته في عالم المال والأعمال, وحتى لا يتسرب اليأس الى نفوسنا ونفوس الاخوة في قسم التصحيح على وجه الخصوص لكونهم المعنيين بالأمر أكثر منا يذكر لنا التقرير المنشور بعض الأرقام التي بدأ بها المليونيرات العشرة مشوار المليون الاول الذي كرت بعده ملايين, الله وحده أعلم بعددها, وهي أرقام تبعث على التفاؤل وتبث الأمل في النفوس, فالأمير الوليد بن طلال الذي يتصدر القائمة بثروة بلغت 20 مليار دولار بدأ العمل لحسابه الخاص من خلال مبلغ مئة ألف ريال سعودي ( 26667 دولارا) كانت هدية من والده الامير طلال بن عبدالعزيز! ويذكر الشيخ سليمان العليان الذي يحتل المركز الثاني بثروة تقدر بثمانية مليارات دولار ان كل ما كان عنده عندما بدأ اول مشروع في حياته هو بيت في الخبر رهنه مقابل ثمانية آلاف ريال احتاجها كي يتدبر امره عندما تسلم المشروع! اما الشيخ صالح كامل مؤسس ومالك مجموعة دلة البركة الذي احتل المركز الرابع بثروة قدرت بأربعة مليارات دولار فقد بدأ بمبلغ ثلاثة آلاف ريال سعودي اخذها من والده لاستيراد ملابس رياضية عندما كان رئيساً لفرقة الكشافة في السعودية حيث كان يضع بضاعته في حقيبة سيارته ويدور بها على مدارس جدة! وهكذا نعود مرة اخرى من حيث بدأنا فنطلب من الاخوة في قسم التصحيح اذا ما كتب لواحد منهم ــ تيمناً بالسيد الحريري ــ ان يسجل اسمه في خانة المليونيرات يوماً ما ان يتذكر ان المعاناة التي كنا سبباً في مكابدته لها هي التي اوصلته لما وصل اليه.. وها نحن نزف التهنئة مقدماً لهم بعد ان زففنا البشرى, فليس احب الى قلوبنا من ان نراهم يرفلون في اثواب الثروة ويتقلبون في نعيم السلطة, اما نحن فنطلب من المولى أن يمدنا بمن يجبر عثرات أقلامنا ويعيد الى جادة الصواب (فاعلنا) المنصوب و(مفعولنا) المرفوع ويصلح (حالنا) المائل ويهيىء لنا (الظرف) المناسب للحاق بهم, إنه على كل شيء قدير.