الحمد لله.. خطونا خطوة للأمام في دعم الانتفاضة وتنفيذ قرارات القمة العربية بتقديم الف مليون دولار لحماية القدس ومساعدة الشعب الفلسطيني. فقد اجتمع الخبراء في الاسبوع الماضي بجدة, وناقشوا التفاصيل وبحثوا في خطط ايصال المال العربي لدعم الانتفاضة, واتفقوا على النظام الذي سيتم اتباعه والآلية التي ستستخدم ثم اصدروا في النهاية بيانا طالبوا فيه الدول العربية المانحة بأن تسدد بعض ما ساهمت به لكي يمكن البدء في التنفيذ. والنتيجة.. ان شيئا لم يصل لدعم الشعب الفلسطيني من الاموال العربية التي تقررت في القمة حتى الآن. ولا احد يعرف متى سيصل الدعم الى المجاهدين ضد الاحتلال الاسرائيلي, ولا أريد ان اكرر ما قلته هنا في الاسبوعين الماضيين, فأنا اعرف ان الشعب العربي في كل مكان لم يتوان في مساندة اخوانه في فلسطين المجاهدة وأعرف ان العديد من الحكومات العربية جادة في تقديم العون ودعم الانتفاضة وانقاذ القدس ــ ولكن (فضيحة البحث عن آلية) لتوصيل الدعم ما زالت مستمرة, ومعاقبة السلطة الفلسطينية على مواقف سياسية سابقة او على فساد مستمر في اداراتها يتحول الى (عقاب) للشعب الفلسطيني الذي يخوض اعظم المعارك ويقدم انبل التضحيات وسط ظروف بالغة القسوة وفي ظل عدوان وحشي وحصار اقتصادي وحرب تجويع قاتلة. فالبطالة وفقا لتقارير مبعوث الامم المتحدة تيري لارسون بلغت 40% والبنية الاساسية التي تم بناؤها في سنوات يجري تدميرها بخطة منتظمة واكثر من 30% يعيشون في فقر مدقع, وأكثر من ثلث مليون عامل فقدوا عملهم ومع ذلك فالدعم العربي ما زال يتسكع في اللجان بحثا عن آلية لتنفيذ قرارات القمة العربية. وكان المطلوب هو الاعلان عن اننا لم نغير من عادتنا شيئا وان قرارات القمة ــ كالعادة ــ لن تجد طريقها للتنفيذ, او كأن المطلوب هو ان نساعد ــ من حيث ندري او لا ندري ــ على خنق الانتفاضة (!!) ولو حدث ذلك لكانت كارثة لن تقف حدودها ابدا عند ارض فلسطين, بل ستمتد لتلقي بآثارها على الوطن العربي بأكمله! ان الرهان الاسرائيلي ــ الامريكي هو ان يتم خنق الانتفاضة ومحاصرتها وضربها بقسوة, ليصل الشعب الفلسطيني الى النتيجة المطلوبة وهو ان ما عرض في كامب ديفيد هو التنازل!! الاسرائيلي الذي لن يتكرر, وأن على الفلسطينيين ان يقبلوا ما رفضوه, وإلا فإنهم سيواجهون الكارثة وستستمر معاناتهم وسيجدون انفسهم بعد حين وقد فسروا الصفقة ولم يكسبوا الا دوام الاحتلال. والاوضاع الحالية في امريكا واسرائيل تزيد الامر تعقيدا فأمريكا تعيش في غيبوبة الانتخابات منذ شهور وسيستمر الوضع كذلك شهورا اخرى خاصة بعدما حدث في الانتخابات من مهازل سوف يخرج منها الفائز (ايا كان) وهو في حالة من الضعف لا تمكنه من اقتحام مشكلة بحجم مشكلة الصراع العربي ــ الاسرائيلي الا بعد فترة طويلة. وعلى الجانب الاسرائيلي فيذهب باراك بخيبته وفشله الى انتخابات يواجه فيها الليكود, ويدخل الفريقان مباراة في العداء للعرب وفي التنكيل بالفلسطينيين, وفي فرض سلام القوة على الجميع. وليس امام باراك الا احد طريقين: * توقيع اتفاق سلام مع عرفات ليكون طريقه للفوز بأصوات فلسطيني 48 ويعزز فرصه في الانتخابات. * او تصعيد الموقف في محاولة لسحق الانتفاضة او حتى الاعتداء على سوريا او لبنان, واشاعة جو الحرب ليستعيد شيئا من سمعته كأحد الصقور الذي يريد فرض السلام كما تفهمه اسرائيل على الجميع. والطريق الاول الذي يقود الى اتفاق سلام مع عرفات بدأه باراك بالعرض الهزيل بالانسحاب من 10% من الارض الفلسطينية المحتلة وتمكين عرفات من اقامة دولته عليها مع تأجيل القضايا الجوهرية الى مرحلة اخرى. ورغم الرفض الفلسطيني العلني لهذا الاقتراح فإن المفاوضات السرية مستمرة والتلويح بأن سقوط باراك سوف يأتي بالليكود وينهي ما يسمي بـ (عملية السلام) يمثل ورقة ضغط يحاول باراك استغلالها لاقناع عرفات بقبول ما لا يجوز قبوله. ومن هنا جاء الترويج لفكرة ان عرفات سيكون الناخب الاول في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة, بمعنى انه لو توصل لاتفاق مع باراك فإن ذلك سيكون طوق النجاة للاخير. ولكن.. ماذا يعني تحميل عرفات هذه المسئولية.. وما هو المطلوب منه وفق هذا التصور؟ المطلوب هو انهاء الانتفاضة تحت شعار وقف العنف ثم القبول باتفاق مرحلي هزيل يجري تجميله بامكانية الاعتراف الاسرائيلي بالدولة الفلسطينية على الجزء الذي تنسحب منه اسرائيل وفي المقابل لابد ان يكون الاتفاق مرضيا لأغلبية الاسرائيليين بالتأكد من ان القدس ستبقى اسرائيلية الى الابد, والمسجد الاقصى سيظل تحت السيادة الاسرائيلية, واللاجئون الفلسطينيون سيبقون في خيامهم بالمنفى والدويلة الفلسطينية لن تكون الا كيانا هزيلا لا يملك من مقومات الدولة الا العلم والنشيد وامكانية الجلوس بعد ذلك على طاولة المفاوضات التي لن تنتهي حول حقوق الشعب الفلسطيني التي لن يعود منها شىء بعد ذلك! وعرفات لا يستطيع قبول ذلك في ظل الانتفاضة التي غيرت كل الموازين وفرضت على القيادة الفلسطينية ان تعترف بأن مسيرة سبع سنوات من المفاوضات في ظل اتفاقات اوسلو لم تؤد الى شيء وفرضت على الاسرائليين موقف المواجهة التي ترفض تقديم اي تنازلات جديدة, وفرضت على العالم ان يعيد تقييم الموقف وان يعاود البحث عن حلول, وفرضت على العرب ان يوقفوا التطبيع وينهوا سباق (الهرولة) الى تل ابيب, وفرضت على الانظمة العربية ان تستمع للشارع العربي الغاضب وان تدرك ان فلسطين ما زالت قضية كل عربي وان تحريرها شرط لأمن المنطقة واستقرار النظم فيها وسيرها في طريق التقدم المنشود. عرفات لا يستطيع قبول ما هو معروض حتى الآن ولكن العمل في هذا الطريق مستمر, وتمهيد الطريق لكي يقوم الناخب الاول (عرفات) بانتخاب باراك ما زال يجري على قدم وساق, والمقترحات الاسرائيلية يمكن تعديلها او تجميلها ومع ذلك فالمهمة ثقيلة وبوادر النجاح ليست كبيرة. وعرفات يدرك انه لن يحصل على شيء من هذه الصفقة المقترحة لانقاذ باراك. والشارع الفلسطيني الذي ادرك انه لا فرق بين باراك ونتانياهو او شارون ليس مستعدا لانهاء الانتفاضة بلا ثمن. والثمن المطلوب هو الاقرار الاسرائيلي بالعودة لحدود 67 بما فيها القدس العربية وبدء المباحثات الجادة تحت علم الامم المتحدة لـ (تنفيذ) قرارات الامم المتحدة بعودة اللاجئين. فهل يستطيع باراك ان يبرم هذا الاتفاق؟ وهل يستطيع عرفات ان يطلب من فلسطينيي الداخل تأييد باراك وأن يطلب من فلسطينيي الارض المحتلة ايقاف الانتفاضة بدون هذا الاتفاق؟ الاجابة بالنفي تفتح الباب امام الاحتمال الآخر. * اذا كان طريق باراك لانقاذ نفسه باتفاق مع الفلسطينيين ما زال مسدودا فإن الطريق الآخر الذي يمكن ان ينزلق اليه هو طريق تصعيد العدوان او حتى الحرب المحدودة وفي هذا الاطار تأتي تهديداته لسوريا ولبنان وهي تهديدات يأخذها الكثير من الدوائر السياسية مأخذ الجد. فالظروف مهيأة امام باراك لولوج هذا الطريق. فالرأي العام في امريكا والغرب تمت تهيئته بأن اسرائيل تتعرض لعدوان الفلسطينيين وهجمات حزب الله التي تؤيدها سوريا. والانحياز الامريكي للعدوان مضمون خاصة في ظل ارتباك الفترة الانتقالية التي تمر بها امريكا, والصمت الاوروبي سيستمر في ظل التآكل الذي اصاب موقف اوروبا الذي كان يندد بالعدوان الاسرائيلي ويتعاطف مع الحقوق العربية, والقوة العسكرية الاسرائيلية تتمتع بالتفوق الذي يضمن لها حسم الموقف لصالحها وتوفير انتصار ينقذ باراك من ورطته ويضمن له الفوز في الانتخابات المقبلة. لكن ذلك كله يقابله واقع يقول ان الانتصار العسكري الذي يحلم به باراك يمكن ان يوقعه في ورطة اكبر, وأن درس لبنان ما زال ماثلا, وان اي عدوان لن ينهي المقاومة الوطنية وسيفتح ابواب الانتقام المشروع امام العرب. ثم ان درس قانا ما زال ماثلا حين اراد بيريز ان يفعل ما يفكر به باراك الآن وأن يظهر للاسرائيليين انه صقر اشد شراسة من صقور الليكود, فكانت النتيجة ان ارتكب المذبحة وخرج بعارها, ثم سقط في الانتخابات. وفوق ذلك كله فإن الولايات المتحدة الامريكية رغم انحيازها وغيبوبة الادارة وظروف الانتخابات ــ تدرك ان عدوانا اسرائيليا مثل الذي يتم تهديد سوريا ولبنان به سوف يضع المنطقة كلها على حافة الهاوية, وسيصيب المصالح الامريكية بأفدح الاضرار. ومن هنا تتسارع الجهود لتطويق هذا الاحتمال, ويتم بذل جهود من قوى كثيرة لملء الفراغ الذي ينتج عن حالة الشلل في الادارة الامريكية.. وفي هذا الاطار تأتي التحركات الروسية والفرنسية وبعض الاطراف العربية, فالكل يدرك ــ الا اسرائيل ــ ان تصعيد الموقف ضد الانتفاضة او شن عدوان على سوريا او لبنان لن يحل مشاكل اسرائيل ولن ينقذ حكومتها. بل ان العكس هو الصحيح, لان براكين الغضب ستنفجر في الوطن العربي كله, وحركات المقاومة ستتصاعد, والانفجارسيشمل المنطقة كلها. الحرب لن تحل مشاكل اسرائيل ولن تنقذ حكومتها, ومع ذلك فلا ينبغي اخراجها من التوقعات فنحن نتعامل مع نازيين لا يؤمنون الا بالقوة,ولا يعترفون الا بأنهم الاقوى ولذلك فلابد من خضوع الجميع لهم واستسلامهم لرغباتهم والاذعان لمطالبهم دون قيد او شرط. وايضا فإن التفاوض على نفس القواعد التي حكمت الموقف منذ اوسلو لن تؤدي الى نتيجة الا اذا كان المقصود بها كسب الوقت لباراك واطفاء لهيب الانتفاضة وهو ما لن يقبل به الشعب الفلسطيني بعد تضحياته الجسيمة, وبعد ان اتحدت كلمة كل الفصائل الفلسطينية على سقوط نهج اوسلو, وعلى ان اي تفاوض حقيقي لا يمكن ان يتم الا على اساس مرجعية جديدة تستند الى قرارات الشرعية الدولية التي تضمن العودة لحدود 67, واستعادة القدس, وحقوق اللاجئين. بدون ذلك تصبح اي مفاوضات عبئا على كفاح شعبنا العربي في فلسطين, وتصبح طريقا للمزيد من التنازلات وتكون تفريطا في الحقوق واهدارا لدم الشهداء. وبدون ذلك يصبح التفاوض منحا لصك براءة لباراك من دم الاطفال واعفاء لامريكا من مسئولية انحيازها لحرب الابادة التي يشنها النازيون الجدد في اسرائيل ضد عرب فلسطين. وبدون ذلك تنفتح الابواب نحو المزيد من الاذلال للفلسطينيين والعرب, ومزيدا من الغطرسة الاسرائيلية والهيمنة الصهيونية على مقدراتنا. ومزيدا من (الهرولة) التي اوقفها غضب الشارع العربي, والتي يتلهف البعض لاستئنافها. وعندما كانوا يتفاوضون على اوسلو وتوابعها كنا نقول لهم ان المفاوضات الحقيقية الوحيدة التي تجرى حول مستقبل المنطقة تجري في جنوب لبنان بين العدو والمقاومة الوطنية اللبنانية. ولأنها مفاوضات حقيقية فقد انتهت كما نريد بانسحاب اسرائيلي ذليل. ولابد ان يتكرر الدرس في فلسطين. وان يتم التفاوض على الارض اولا,, باستمرار الانتفاضة وتصاعد المقاومة اما التفاوض بعد إلقاء السلاح كما حدث في اوسلو فلن يؤدي الا الى المزيد من الهزائم والانكسارات. فليتوقف التفاوض الا في ظل مرجعية جديدة تضمن تحقيق اهداف النضال الفلسطيني. ولتستمر الانتفاضة في طريقها, ولتتصاعد مقاومة العدو, ولتؤدي كل الاطراف واجباتها وليدرك الذين يؤخرون وصول الدعم العربي للشعب المجاهد في فلسطين ان ما يفعلونه هو الخطيئة التي لا يمكن السكوت عنها مهما كانت المبررات.