عند أواخر عقد الستينيات عندما بلغت الحرب الامريكية ضد الشعب الفيتنامي أعلى مستوياتها الوحشية دعا الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الى تشكيل محكمة جرائم حرب تتكون عضويتها من مفكري العصر لادانة الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين ظلت عقدة (محكمة جرائم الحرب) تلازم القياديين الامريكيين المتعاقبين على السلطة جنبا الى جنب مع (العقدة الفيتنامية). هناك الآن مشروع عالمي لاقامة محكمة جنائية دولية لتنظر فيما يرفع اليها من دعاوى ضد دول او افراد او جماعات يتهمون بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم اخرى ضد الانسانية. وليس غريباً ان الولايات المتحدة تعارض هذا المشروع بشراسة ساعية الى اجهاضه. لقد اجيز مشروع المحكمة في مؤتمر دولي عقد عام 1998 في روما بموجب معاهدة دولية وقعت عليها 115 دولة بما في ذلك دول اوروبا الغربية وكندا واليابان. اما الولايات المتحدة فانها لا تكتفي برفض التوقيع على المعاهدة بل تمارس معارضة علنية ضدها. ومن العجيب ان الولايات المتحدة تتوخى الصراحة الكاملة في تسبيب رفضها للمشروع جملة وتفصيلا. فالمسئولون الامريكيون يقولون في مؤتمرات سياسية وصحفية ان امريكا واسرائيل قد تصبحان هدفا لدعاوى لدى المحكمة المقترحة ذات دوافع سياسية. ومؤخراً طالب المتحدث باسم لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس الامريكي في مؤتمر صحفي في نيويورك بعدم السماح بقيام هذه المحكمة (لان احكام تشكيلها لا تتضمن ضمانات واضحة تحول دون محاكمة الجنود الامريكيين). وابرز هذا المسئول خلال المؤتمر الصحفي رسالة وقع عليها 12 شخصية من كبار المسئولين الامريكيين السابقين في مقدمتهم وزير الخارجية الاسبق د. هنري كسنجر. بهذه الصراحة غير المألوفة في التعامل يستحق المسئولون الامريكيون الشكر. بوضوح كامل يقول الموقف الامريكي: نحن نرفض رفع دعاوى جنائية في المحكمة الدولية ضد امريكيين او ضد ادارة امريكية. ولا مانع لدينا من ان تقدم دول اخرى او مسئولون آخرون الى المحاكمة. لكن يجب ان نحصل اولا على ضمانات رسمية مكتوبة بأن المحكمة لن تطال الامريكيين. ويبقى السؤال: لماذا يتخوف الامريكيون من قيام محكمة جنائية دولية للنظر في جرائم الحروب والابادة وسائر الجرائم الانسانية؟ ببساطة.. ستكون امريكا والامريكيون في مقدمة المتهمين. ما ان يتم تشكيل هذه المحكمة وتستقر في مقرها المقترح في العاصمة الهولندية لاهاي فان اصداء دعوة بيرترند راسيل وجان بول سارتر التي اطلقت في ستينيات القرن الماضي سوف تتردد الآن في العقد الاول من الالفية الثالثة. ففي الحرب الامريكية في فيتنام التي امتدت لعشر سنوات من عام 1965 الى عام 1975 جرى تسوية مدن بأكملها بالتراب, وجرى استخدام احد اسلحة الدمار الشامل ــ السلاح الكيماوي ــ حيث فتك النابالم وعنصر (اورانج) بمئات الآلاف من البشر.. ومن لم يدركهم الموت ورث عنهم ابناؤهم وبناتهم اخطر انواع السرطان. وهذه جرائم يتحمل مسئوليتها رؤساء وجنرالات امريكيون بقدر ما يتحملها ضباط وجنود منفذون للأوامر ميدانيا. وربما تنجح واشنطن في نسف مشروع المحكمة الجنائية الدولية وربما تفشل لكنها برفضها هذا المشروع ادانت نفسها بنفسها.