مع تعثر عملية السلام في الشرق الأوسط واستمرار الانتفاضة الفلسطينية بالدم والحجر, واستفحال الأزمة السياسية في إسرائيل, وبقاء حزب الله اللبناني قوة تؤرق الحكومة الإسرائيلية, مع هذه الأوضاع بات الحديث عن شن حرب محدودة ضد سوريا ولبنان يتردد على لسان كبار الجنرالات في تل أبيب, ومع هذا الحديث لم تعد الهواجس تتعلق بعدم استكمال مسيرة السلام فحسب وإنما بإلغاء ما تم التوصل إليه من اتفاقات على المسارات الأخرى مادامت إسرائيل لم تتحول بعد عن منطق القوة والحرب وضرب القوة العربية خاصة في ظل هذه الأجواء المشحونة بالتوتر, ومع أن شن حرب محدودة ضد سوريا أو لبنان هو قرار استراتيجي وبحاجة إلى قرار دولي ـ أمريكي (وهو غير متوفر) فإن سيناريو الحرب التي تثيرها إسرائيل ضد سوريا يقوم على جر حزب الله اللبناني إلى مواجهة ساخنة في منطقة جبل دوف بمزارع شبعا اللبنانية لتتحول هذه المواجهة إلى توجيه ضربات إلى مواقع سورية في العمق اللبناني ومنها إلى حرب إقليمية محدودة يمكن للجهود الدولية أن توقفها بل وأن تدفع بأطراف عملية السلام من جديد إلى طاولة المفاوضات بعد أن أصبح ذلك متعذراً في ظل الأوضاع الحرجة التي تمر بها المنطقة حالياً, ولعل هذا السيناريو يستحوذ على اهتمام حكومة باراك التي تعتقد أن مثل هذه الحرب ستكون وسيلة لتحقيق هدف محدد هو فرض تسوية قسرية على الجانب العربي, وأن اللجوء إلى هذه الحرب جاء بعد استخدام كافة الأساليب السلمية بما في ذلك الضغط, ولعل ما يدفع بالمحللين والمراقبين السياسيين إلى تصور مثل هذا السيناريو هو أن حكومة باراك باتت في وضع سياسي داخلي لا تحسد عليه, إذا أن جملة الأزمات التي تعاني منها هذه الحكومة قد تدفع بباراك إلى خيار توجيه الأنظار إلى الخارج وتشكيل حكومة ائتلاف مع الليكود المتطرف بعد أن تعذر ذلك حتى الآن, والجميع يتذكر كيف أن شمعون بيريز تحت وهم الانتخابات شن حرباً عدوانية ضد لبنان انتهت بمجزرة قانا عام 1990 وتشكيل لجنة مراقبة تفاهم نيسان. رغم أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي لم يشهد حروباً كبرى منذ أكتوبر عام 1973 فإن تسهيل سيناريو حرب محدودة ضد سوريا على هذا النحو يثير حالة ضبابية غير محددة المعالم أشبه بالأزمة الناتجة عن مأزق انسداد عملية السلام بسبب مواقف إسرائيل واصرارها على البحث عن تسوية قسرية خارج قرارات الشرعية الدولية, ومرد هذا الإطار النظري التصوري لسيناريو حرب محدودة هي أن إسرائيل تعد الحدود اللبنانية جزءاً من الجبهة السورية ـ الإسرائيلية في الوقت الذي لاتزال إسرائيل لا تميز بين الصراع المسلح ضد حزب الله وربط هذا الصراع بامكانية انفجار حرب إقليمية خاصة في ظل الهواجس الإسرائيلة من إعادة الدفء إلى العلاقات السورية ـ التركية فضلاً عن العلاقات الوثيقة التي تربط دمشق بطهران, وبما أنه لا يمكن تصور القيام بحرب ما دون أهداف محددة فإن الأهداف السلمية التي تسوقها إسرائيل من وراء الحديث عن الحرب تبدو غير منطقية, إذ أنه على المستوى السياسي هناك التزام عربي استراتيجي واضح بعملية السلام, والعرب هم أكثر قلقاً على مستقبل العملية السلمية فضلاً عن هذا فإنه في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي على الدول العربية مجتمعة وامتلاكها للسلاح النووي فإن الدول العربية ليست بصدد خيار شن الحرب ضد إسرائيل بالرغم من أن هناك أراض سورية ولبنانية مازالت محتلة. وفي الواقع, رغم أن الخيارات الإسرائيلية لإسرائيل بشن الحرب ضد أية دولة عربية في الظروف الحالية غير مقيدة كما هو الحال بالنسبة للدول العربية فإنه يصعب تصور قيام إسرائيل بمثل هذه الحرب لأسباب عديدة أهمها: * أن شن الحرب يحتاج إلى موافقة دولية وأمريكية بالضرورة, ومثل هذه الموافقة غير متوفرة حالياً لا لأن الإدارة الأمريكية مشلولة حاليا لأسبابها الخاصة بل لأن الحرب قرار استراتيجي يترتب عليه مصالح وترتيبات أمنية, وما دامت المنطقة تسير ضمن الطور الاستراتيجي الأمريكي فإن الإدارة الأمريكية ليست بصدد الموافقة على مثل هذه الحرب. * أن مثل هذه الحرب مفتوحة على احتمالات غامضة لا نهائية لا يمكن الركون إلى نتائجها مسبقاً, ففي ظل امتلاك دول المنطقة لأحدث أنواع الأسلحة والنظم التسليحية والاستراتيجيات العسكرية فضلاً عن تعقيدات عملية استخدام عناصر القوة العسكرية والبشرية والاقتصادية يمكن لهذه الحرب أن تتحول من حرب محدودة إلى حرب إقليمية كبرى تدخل فيها قوى إقليمية مثل إيران وتركيا, وبالتالي فإن مثل هذه الحرب ستكون مغامرة غير محسوبة النتائج, وطالما أن الحروب يخطط لها بدقة ولا تنفجر عن طريق الخطأ أو لحسابات بسيطة فإن احتمال شن الحرب يبقى مستبعداً. * أن إسرائيل التي أثبتت التجارب السابقة عدم إمكانية احتفاظها بأراض عربية محتلة حتى النهاية (جنوب لبنان) لا يمكن لها أن تقدم على إعادة احتلال أرض أو توسيع رقعة المحتل منها وذلك لأسبابها الخاصة, فإضافة إلى عجزها عن تحمل تبعات احتلال أراض جديدة ستدخل في مواجهات عنيفة مع قوى شعبية وحزبية قادرة على إنهاك إسرائيل وإلحاق ضربات قاسية بها (تجربة حزب الله), كذلك فإن الثمن السياسي والإقليمي والدولي لهذه الحروب سيكون مكلفاً وباهظاً جداً. وعليه, فإن الحديث عن حرب إسرائيلية ضد سوريا أو لبنان تبدو أعقد بكثير من التصريحات الصادرة عن كبار الجنرالات في تل أبيب والتي أثارت هواجس كبيرة في المنطقة دفعت بالأجواء نحو الدخول في نفق من الحذر والتأهب والترقب والتحرك, ومع التأكيد بأن الحرب الاستراتيجية تبدو مستبعدة إلاّ أنه ينبغي عدم استبعاد احتمال لجوء إسرائيل تحت ثقل أزماتها أو لأهداف تكتيكية القيام بعمليات عسكرية محدودة في المثلث السوري اللبناني الإسرائيلي, فإسرائيل مازالت تطور ترسانتها العسكرية ولم تستبعد خيار القوة كوسيلة للبحث عن فرض تسوية قسرية على العرب. هواجس الحرب الإسرائيلية قد لا تستند إلى أسس استراتيجية إلاّ أنها تحمل دلالاتها الخاصة التي تكتسب أهمية في هذه الظروف الحرجة التي تجد حكومة باراك نفسها تتجه نحو الهاوية. كاتب سوري