في الفصل الخامس من هذا الكتاب وتحت عنوان (التدهور في العصر الوسيط) يقول المؤلف ان جيشا من الصليبيين انطلق إلى مصر من فلسطين في ربيع عام 1167, ولما لم يجد إلا مقاومة ضعيفة من القوات الواهنة للعصر الفاطمي الآخذ في التدهور, فقد أقام معسكرا خارج الأسوار الشمالية الحصينة للقاهرة. وفي الصباح بعث قادته سفارة مكونة من اثنين من أشجع فرسانهم, وهما السير هيو من قيسارية وسير جيفري فولتشر, اللذين ترجلا عن جواديهما أمام باب الفتوح, أي بوابة النصر إلى عاصمة الخليفة. وأدخلهم جندي مرافق صامت إلى المدينة, وسار بهما عبر طريق بين القصرين, وبعد مسافة وصلا إلى ساحة العرض الكبيرة بين قصري الخليفة حيث سمح لهما بالدخول إلى القصر الشرقي الذي كان يحتوي على أربعة آلاف غرفة. وقد سجل وليم, أسقف صور المعاصر لهما, زيارتهما تلك في كتابه: (تاريخ وقائع ما وراء البحار) فقال ان انبهار المقاتلين الصليبيين ازداد مع كل خطوة, فهذه أخيرا هي بلاد الحليب والعسل التي وصفها البابا إربان الثاني منذ قرن مضى. ويمضي الأسقف في وصف معالم الفخامة والأبهة التي رآها الفارسان الصليبيان حتى وصلا أخيرا إلى قاعة العرش. ومما أثار فزع رجال البلاط اصرار سير هيو على مصافحة الخليفة العاضد, الذي لم يتجاوز عمره آنذاك ثمانية عشر عاما, وهو آخر الحكام الفاطميين, ولكن الحاكم الشاب أثبت براعته الدبلوماسية, إذ خلع قفازه وصافحه, وقبل سفيرا الصليبيين شروطه, ووافقا على أن تغادر قوتهم مصر مقابل 200 ألف دينار. وفي اليوم التالي عادت القوة إلى فلسطين ومعها الغنيمة. ويقول مؤلف الكتاب: (وهكذا تفادت المدينة المصير الذي لقيته مدينة القدس, إذ عندما سقطت تلك المدينة المقدسة عام 1099 أثار الغزاة حربا شرق أوسطية لقيامهم بذبح جميع سكانها المدنيين). ... وتلك الأيام وصل صلاح الدين الأيوبي ومعه قوة من سوريا ليدعم خلفاء الحكم الفاطمي المتهالك, ولكن بدلا من ذلك أطاح بهم عام 1171 ومات العاضد ميتة مثيرة للجدل, وأمر صلاح الدين بفتح قصور القاهرة, وباع كنوز الفاطميين الأسطورية, بما في ذلك جوهرة وزنها 2400 قيراط وطولها أربعة أصابع, وذلك لكي يواجه نفقات قواته وأحل محل البيروقراطية المحكمة آنذاك نظاما اقطاعيا أتاح لضباطه السيطرة المباشرة على جميع أراضي مصر الزراعية الغنية. وساعدت هذه الثروة الكبيرة صلاح الدين في تحقيق نصر وراء الآخر في فلسطين, وفي معركة حطين عام 1187 وجه ضربة قاضية للممالك الصليبية الغازية لم يفيقوا منها بعد ذلك أبدا. وقد مارس الحكام الأيوبيون بعد صلاح الدين حكمهم للبلاد من القلعة لمدة ثمانية أعوام قبل أن يطيح بهم جيشهم وتستولى نخبة قوة الفرسان من المماليك على الحكم. وعلى عكس الفاطميين والأيوبيين كان المماليك قساة غلاظ القلوب. وكان أول كبار السلاطين المماليك هو الظاهر بيبرس الذي بدأ يعمل على دعم العقيدة عن طريق تعيين أربعة قضاة, كل منهم يعمل وفقا لمذهب من المذاهب السنية الأربعة بدلا من وجود قاض شيعي واحد. ويرى المؤلف ان هذا الابتكار سمح للمماليك بممارسة سياسية (فرق تسد) للسيطرة على المؤسسة القضائية. وقد منح بلاط بيبرس حق اللجوء للأسرة العباسية عندما هربت من بغداد قبل هجوم المغول عام 1258. وبإرادة لا تكل استطاع بيبرس أن يشكل دولة حشدت كل مواردها من أجل جيشه. وقد وصفه أحد قادة الصليبيين الغزاة بأنه أبرع من قيصر. وإذا نظرنا إلى حصيلة قرنين من الحروب نجد ان القاهرة على حق عندما تبدو منتصرة, فجميع منافسيها التجاريين تم اقصاؤهم, وقد نهب المغول بغداد ودمشق, وفتح المسلمون أنطاكيا وصور وعكا. ونهب الصليبيون القسطنطينية وبذلك خانوا حليفهم السابق الامبراطور البيزنطي. وأصبحت القاهرة عاصمة أقوى قوة عسكرية في عهدها ذاك, فإلى جانب سيطرة حكامها المتحدثين بالتركية على مكة والمدينة المنورة والقدس, كانوا أيضا يمتلكون الحق في امتلاك جميع الأراضي الزراعية الخصبة في مصر. وفي فترة نصف قرن, وقبل أن يفتك وباء الطاعون بالمدينة عام 1347, ازدهرت المدينة ازدهارا لا مثيل له من قبل, واتسع نطاقها إلى الضعف تقريبا خلال حكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي استمر من عام 1293 إلى عام 1341 (مع فترتي انقطاع قصيرتين تخللتها), وبذلك كان ابن قلاوون أطول سلاطين المماليك بقاء في الحكم. وازدهرت كذلك حركة بناء حولت المساحة الكبيرة بين القلعة وباب زويلة إلى حي مكتظ بالسكان. وفي الضواحي الغربية والجنوبية بنى ضباط المماليك قصورهم, وبنيت في وسط المدينة المساجد والمعاهد, كما أقيمت المدافن الفاخرة في منطقة الجبانات. ومع ذلك فقدت القاهرة المنتصرة الكثير على الرغم من كل مظاهر الازدهار. فنتيجة لحرب لا تتوقف على مدى قرنين أشعلها الغزاة الصليبيون حدثت تحولات لا مفر منها. فقد فقد التجار مكانتهم التي احتلها الجنود, وتحولت الحكومة إلى حكومة نهب ولصوصية خاصة وان السادة المماليك لم تكن تربطهم بمصر أية روابط لا بالنسبة لمستقبلها ولا لماضيها, بل كان ولاؤهم لأنفسهم ولطبقتهم فحسب. كانت البلاد مسخرة لاستغلالهم لها. وكانت أوروبا في ذلك على العكس من ذلك فقد احتفظ النبلاء الحاكمون بروابطهم بالأرض وربطوا بين ازدهارها وازدهارهم هم. والانقسامات السياسية التي أبقتهم ضعفاء أشعلت, في نفس الوقت, المنافسة الحامية في التجارة والصناعة والتكنولوجيا. وفضلا عن ذلك تلقت أوروبا عملية حقن صحية أنعشتها. وصحيح ان الغزاة الصليبيين تم طردهم من فلسطين مدحورين ولكنهم استفادوا فائدة لا تحصى من اتصالهم بالشرق المتحضر. وقد تعلمت أوروبا من العرب فن صناعة الورق, وفن الملاحة بالبوصلة, واستخدام طواحين الماء, وصناعة الزجاج والكريستال, وصناعة السيراميك والأصباغ, واستخدام الصابون والعطور, وقد أحضر بعض التجار عددا من السلع العربية إلى ايطاليا وفي مقدمتهم تاجر ايطالي من بيزا يدعى ليوناردو فيبوناتشي بعد زيارة لمصر في القرن الثاني عشر. وقام مهندسون معماريون من أمالفي بنسخ العقد المعمارية المسننة والأقواس التي شاهدوها في القاهرة الفاطمية وأثار ما استلهموه في الفن القوطي دهشة أوروبا. وأعاد آخرون مبادئ الطب والكيمياء الاغريقيين التي كانت أوروبا قد نسيتها, والتي كان العرب قد ترجموها ومارسوها وأضافوا إليها تحسينات عديدة. ومن الجيوش الإسلامية أخذت أوروبا بعض أدوات الحرب المتقدمة كأنواع ركاب الخيول, وآلة النشابية, وأقواس السهام المقوسة المركبة, والمنجنيق, والصواريخ الحارقة, ومواكب قارعي الطبول, وشعارات النبالة, مثل شعار زهرة الزنبق (وقد استخدم ملوك فرنسا القدامى هذا الشعار) وختم بيبرس الخاص الذي كان يحمل شعار الأسد المتحفز, كذلك أخذ الأوروبيون عن المماليك وسائل التسلية, وقضاء الوقت مثل لعب الورق, كما تعلموا تربية الحمام الزاجل وتدريبه, وهي رياضة كان الفاطميون قد برزوا فيها إلى درجة انه يقال ان الخليفة عبدالعزيز (975 ــ 976م) أبدى رغبته في تناول بعض ثمار الفراولة التي لم تكن تزرع في مصر آنذاك, واستطاع وزيره أن يهدي إليه تلك الثمار في صباح اليوم التالي. وكان الوزير قد أخطر بالبريد الزاجل حاكم لبنان الذي قام بربط عناقيد منها إلى سيقان أسراب من الحمام الزاجل التي طارت بها إلى القاهرة. وقد تحول الأوروبيون من مستهلكين لسلع الرفاهية, إلى منتجين لها. وبحلول القرن الخامس عشر تحول ميزان تجارة البحر الأبيض المتوسط بحدة لصالحهم, وظلوا يستوردون التوابل والأصباغ والأحجار الكريمة وسلعا أولية أخرى مما ملأ خزائن طبقة تجار القاهرة والحكومة من خلال فرض المكوس, غير ان أفضل المصنوعات بدأت الآن تصنع في شمال البحر المتوسط. وفاقت أنواع مثل صابون مرسيليا وكريستال مورانو وورق فابريانو مثيلاتها من الأنواع العربية. وتفتقت عبقرية عصر النهضة في كمال تطوير تقنيات مثل طواحين الماء وذراع أنوال النسيج, ولكنها احتفظت بسرية انجازاتها وبراءات اختراعاتها. وفي نفس الوقت تدهور حال الصناعة المصرية الرئيسية وهي صناعة النسيج. وخلال حياة المقريزي ــ المؤرخ الذي توفى عام 1442 ــ تحول القاهريون عن لبس أقمشة الكتان المصرية الناعمة إلى القماش الأوروبي الرخيص. وأثرت عمليات الاستيراد بنفس القدر على صناعات أخرى, وعلى سبيل المثال هبط عدد مطاحن السكر من 66 مطحنا في عام 1325 إلى 19 فقط عام 1400م. وكان نجاح مصر المملوكية الكبيرة في نواح متعددة هو الدافع إلى استيلاء أوروبا على نتائج هذا النجاح. وفي القرنين الرابع عشر والخامس عشر كانت القاهرة تحتكر التجارة مع دول المحيط الهندي. وأدرك الأوروبيون ان باستطاعتهم أن يفعلوا شيئا لمواجهة هذا الاحتكار, وفي نهاية القرن الخامس عشر كان بحارة شبة جزيرة أيبريا قد أدخلوا تحسينات على الصواري المربعة المستخدمة في سفنهم وذلك باضافة الأشرعة العربية المثلثة التي اقتبسوها من العرب, وبذلك استطاعوا اكتشاف العالم الجديد وداروا حول رأس الرجاء الصالح, وغزوا البحر الأحمر الذي كان حكام القاهرة خلال الخمسمئة عام السابقة يعتبرونه بحيرة مصرية. ورافق تلك التحديات استخدام البنادق والأسلحة الثقيلة التي لم يكن في استطاعة فرسان المماليك مواجهتها. هكذا تكلم ابن خلدون وفي جزء آخر من الكتاب ينتقل المؤلف إلى الحديث عن عبدالرحمن بن خلدون ويصفه بأنه ألمع نجوم الحياة الثقافية الإسلامية آنذاك. وبعد أن يستعرض جوانب حياته واقامته في القاهرة حيث تولى التدريس في الأزهر الشريف وفي معاهد أخرى, يقول ماكس رودنبك ان نظرياته الجديدة في الجوانب النفسية للسلطة وصعودها من خلال التآزر القبلي, وفي الاقتصاديات والميتافيزيقيا وعلم أصول التدريس, قد أثرت في تلاميذه تأثيرا كبيرا, وكان من بينهم المقريزي مؤرخ القاهرة البارز الذي اعتبر مقدمة ابن خلدون (زبدة جميع المعارف), ووصف أسلوبها بأنه أكثر إشراقا من جوهرة ثمينة, وأرق من رذاذ الماء يذروه النسيم العليل. وقد تأثر المفكرون المتأخرون أيضا بابن خلدون. ويعتبر المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينسبي مقدمة ابن خلدون أعظم عمل من نوعه أبدعه إنسان في أي زمان أو مكان. وفي صيف عام 1516 جاءت أنباء مفجعة من شمال سوريا تقول ان جيش العثمانيين قد هزم المماليك وقامت مدفعية الميدان الخفيفة التابعة للسلطان العثماني سليم الأول باثارة ذعر خيولهم, وتقدمت قوة المشاة المسلحة بالأسلحة النارية مما شل رماة السهام المماليك. وأعلن أحد قادة السلطان الغوري خيانته لسلطانه وسحب الجناح الأيسر لجيشه بالكامل من المعركة. وأسر العثمانيون الخليفة نفسه. وبالنسبة لقنصوة الغوري فإنه سقط من فوق فرسه ومات بالسكتة القلبية, وفقد جثمانه. وفي شهر فبراير 1517 وصل السلطان سليم إلى أجواء القاهرة الشمالية. ومرة أخرى قامت مدفعيته بتدمير آخر معاقل فرسان المماليك. وانطلقت قواته المخمورة تهاجم المدينة, وظلت لأربعة أيام تتوغل في حملة مسعورة من الاغتصاب والسلب والنهب. وأسر الجنود نحو 800 مملوك وقطعوا رؤوسهم وقذفوا بجثثهم إلى النيل, وعلقوا الرؤوس على أسنة الرماح ليزينوا بها معسكر سليم. ثم بدأ النهب المنظم. وذكر ابن اياس ان (حثالة المجتمع وأنذال مصر كانوا يقومون بابلاغ العثمانيين بممتلكات الأميرات والسيدات, ونهبت الملابس الغالية وسقطت خزائن البلاد في أيدي الأتراك.. مع الملابس والأسلحة والبغال والعبيد من الرجال والنساء وكل شيء له قيمة). وقام سليم بنفسه بتجريد قصور القلعة من جميع الأثأثاث ولم يترك حتى المخطوطات والسجاجيد الرخيصة, وأعمدة الرخام, وبلاط الأرضية من الرخام, وبعض المقتنيات المقدسة مثل شعرات من لحية الرسول عليه الصلاة والسلام وسيفه المعروف باسم (ذو الفقار). وأمر باعتقال جميع القيادات من المواطنين, فأخذ نحو 2000 تقريبا من أغنى التجار وأمهر ذوي الحرف والعلماء, ثم شحن الجميع في سفينة وأرسلوا إلى القسطنطينية كرهائن. وعندما ذهب سليم من مصر فإن نائبه العثماني الذي خلفه وراءه أطلق النار على موظفي قصور القلعة من الخصيان والطباخين وحراس الأبواب وسياس الخيول والسقاة, وكما يقول ابن إياس: (باختصار قام نائب سليم بالقضاء على نظام القلعة القديم كله وقدم بدلا منه النظام العثماني أكثر النظم كلها فسادا وشرا). وقد اضطر الخليفة المتوكل, الأسير في القسطنطينية, والذي يتوق شوقا إلى القاهرة, إلى التنازل عن لقبه كزعيم روحي للسنة, وفي المقابل منح راتبا متواضعا, وسمح له بالعودة إلى مدينته المحبوبة بجوار نهر النيل, وهناك مات في عزلته. وانتهى مجد قاهرة العصر الوسيط, وبعد أن كانت مركز امبراطورية عظيمة, ونبعا للإسلام, وسوق البحر الأبيض المتوسط, تحولت المدينة إلى مكان متوسط المستوى وأصبحت مجرد بلدة معسكر عثماني, ومكانا لا قيمة له ضمن امبراطورية واسعة فتح جيشها وأسطولها بلادا كثيرة من الدانوب إلى نهر دجلة إلى خليج ليونز. ومع ذلك لم يكن الأمر رهيبا كما يبدو, ذلك ان القاهرة لم تستسلم للجمود في ظل العثمانيين, ومع ان عاصمة الامبراطورية البعيدة على ضفاف البوسفور قد سحبت منها المواهب وسحب منها الهولنديون والبرتغاليون تجارة الترانزيت من المحيط الهندي, فقد ظلت القاهرة المدينة الكبرى المزدهرة بشكل عام, والتي تلي مباشرة مدينة القسطنطينية في مملكة العثمانيين. ولم يصبها الانهيار التام حتى بداية تفكك الامبراطورية ككل. وبعد أن أتخم العثمانيون بسرعة نتيجة لنهب القاهرة بدأوا في اصلاح النظام الاداري في مصر فألغوا الاقطاعيات وأحلوا محلها نظاما أكبر احكاما للضرائب الزراعية, واحترموا الثروات الشخصية والميراث ولم تعد حكرا تاما لطبقة العسكريين. وفي وقت من الأوقات أخذت سلعة جديدة هي البن اليمني مكان التوابل الهندية كمصدر للربح الوفير. وبدأ الأفراد يبنون بيوتا فخمة ووهبوا المدينة عددا كبيرا من نوافير المياه العامة التي مازالت تنتشر في المدينة القديمة. وأقيمت مساجد رائعة مثل مسجد سنان في بولاق ومسجد سليمان باشا في القلعة ومسجد الملكة صفية بالقرب من شارع محمد علي. واتسعت أحياء الترفيه حول بحيرات حدائق الأزبكية وبركة الفيل. وإذا كانت بعض التغييرات التي تمت تعتبر ايجابية إلا ان الجانب السلبي تمثل في الأمور التي بقيت على حالها. ولقد كان الهم الأكبر للحكام العثمانيين هو تأمين امدادات الحبوب المصرية والجزية النقدية السنوية الى القسطنطينية, أما كيف كانت تجمع تلك الأشياء فلم يكن ذلك يعنيهم في شيء. وكان وجود المماليك - لا كحكام بل كأفراد ينتمون إلى طبقة محاربين يتحدثون التركية ويتطلعون إلى ابقاء المواطنين المصريين تحت أقدامهم - كان وجود هؤلاء يلائم العثمانيين كثيرا. وفي عام 1521 - بعد سنوات قليلة من غزو مصر - اضطر الحاكم إلى أن يطلب من الجنود المماليك غير النظاميين اعادة النظام عندما ثارت عليه قواته الخاصة لان تاجر الأفيون المفضل لديهم نفذ فيه حكم الاعدام لبيع بضاعته في شهر رمضان المبارك. وسمح للنبلاء القدامى بالاستمرار في توظيف مماليك جددا. وقد شهدت القاهرة آنذاك ألمانا ومجريين وسودانيين ومالطيين يعملون كمرتزقة أو جنود عبيد. وحتى أبناء المماليك الذين منحوا حريتهم, والذين كانوا ممنوعين من الالتحاق بطبقة المحاربين, أخذوا يملأون بيوت كبار البكوات (وكان لقب (أمير) قد اختفى مع زوال حكم المماليك). عندما تسود الخرافات وبمرور الزمن بدأت قوة العسكر العثمانيين في الأفول, وأصبح ضباطهم أقل اهتماما بالحكم وأكثر اهتماما بجمع الأموال. وبحلول القرن السابع عشر كان بكوات المماليك يسيطرون على كل مكتب هام في مصر, وزاد نهبهم للبلاد بازدياد تراخي قبضة القسطنطينية لدرجة ان الحكام العثمانيين تخلوا عن أي تظاهر بالسلطة. ومع وقوع العاصمة في شرك مكائد البلاط وحرب البلقان, كان أفضل, ما صنعه عملاؤها في القاهرة هو استخدام البكوات الأقوياء ضد بعضهم البعض, وانقسمت المدينة إلى فريقين مملوكيين تحاربا بضراوة لمدة طويلة من أجل السيطرة على امتيازات جمع المكوس ورسوم الجمارك, وأدى توفر البنادق القصيرة والمسدسات إلى جعل عدائهم أكثر دموية عن ذي قبل. وأخذت البيوتات المتنافسة الآن تسعى إلى تصفية بعضهم البعض عن طريق الكمائن والاغتيالات. لم يكن هناك شيء مقدس في حروب العصابات تلك حتى ان ضريح السلطان حسن استخدم كمنصة لمدفعية المتمردين عندما قصفوا مقر اقامة الحاكم في القلعة. وكانت القوة العثمانية نفسها قد اتجهت إلى الانضمام إلى اللهاث وراء صيد الغنائم, لانها لم تكن تتقاضى إلا أجورا مخفضة وتعاني من البعد عن وطنها. وبين عامي 1688 و1755 كان بكوات المماليك وحلفاؤهم من القوة العثمانية ومن عصابات البدو, قد أسقطوا ما لا يقل عن 34 حاكما, بل وصل الأمر بهم إلى انشاء وظيفة مدفوعة الأجر لموظف يتركز عمله الوحيد في ايصال الأمر: (انزال) إلى مبعوث السلطان العثماني الذي أرسله للتذلل إليهم. وفي منتصف القرن الثامن عشر كانت القاهرة قد استقلت عن القسطنطينية في جميع المجالات ما عدا الاسم, وتقلصت الاتاوة السنوية من 800 ألف دوكات (وهي عملة ذهبية أوروبية), إلى مجرد 400 ألف سكوينة (وهي عملة تركية قديمة). وفي الريف انحرفت عملة جمع المكوس إلى لصوصية وقطع طرق ولم تسلم حتى العاصمة من هذا, فقد أغار فرسان من البدو على جبانات المدينة وخطفوا مشيعي الموتى وحملوهم إلى الصحراء. وثار أهل المدينة مع تزايد هذه الجرائم, وكان لديهم أصلا شكاوى عديدة من المجاعات والأوبئة والتضخم والطغيان. وتوجه الجيران إلى القلاع ذات البوابات التي يغلقها سكانها بالمزاليج في الليل, وأصبحت بيوت الأغنياء في المدينة قلاعا ذات أسوار عالية منيعة ومداخل ذات عوائق, ولجأوا إلى اخفاء أموالهم تحت بلاط الأرضيات, ومع ذلك لم يكن هناك أي مكان يستعصي على العنف ولا حتى الأزهر. ومع تدهور التجارة والحرف, انهار التعليم أيضا, وبحلول القرن الثامن عشر كانت في القاهرة عشرون مدرسة فقط مازالت تعمل من بين خمسة وسبعين مدرسة في زمن المقريزي. وامتدت يد الجشع إلى أموال الوقف وأهمل المشرفون عليها الصرف على التلاميذ والمدرسين, كما ذكر المثقف الموسوعي والمؤرخ علي باشا مبارك هذه الفترة منذ قرن مضى إذ يقول (لقد زادت هذه الحالة سوءا عاما بعد عام حتى توقف التعليم وبيعت الكتب وأصبحت المدارس حظائر للماشية وزرائب للحيوانات). وسادت الخرافات واستولت على الناس كوابيس الكوارث, وقد بلغ من قوة هذه الحالة انه قد سجلت ثلاثة أحداث في القرن الثامن عشر المضطرب خرج فيها نصف السكان إلى الحقول والصحراء المحيطة عندما انتشرت شائعات تقول بقرب نهاية العالم. ولم يكن خوف الناس مدعاة للدهشة فقد أدى الجوع والفقر والمرض والنزاعات إلى انخفاض عدد سكان المدينة إلى أقل من ربع مليون نسمة في عام 1800. وتعرضت عاصمة مصر ... الجميلة أم الدنيا ... لحالة من التفسخ والشيخوخة البشعة. ومن هذه الصورة الحزينة ينتقل المؤلف مباشرة إلى صورة مغايرة تماما في الفصل التالي سوف نستعرضها في الحلقة المقبلة إن شاء الله.