اصفر, احمر, اخضر, ابيض, برتقالي.. الوان مختلفة, عالم واحد.. هذه الجملة التي اطلقها الفنان المثير للجدل اوليفيرو توسكاني والتي اصبحت شعارا ترفعه شركة بينيتون المتخصصة في الملابس الجاهزة منذ العام 1984, هذا الشعار بدأ يرتسم بشكل اخر اليوم وبثوب جديد.. فبعد ان ارتدى الجميع اليوم ثوب العولمة واصبح العالم محطة فضائية زجاجية كل ما فيها عرضة للمشاهدة والمطالعة, عاد اولئك الذين اقاموا الدنيا ولم يقعدوها بالامس الى اطار الصورة القديمة. وحتى لا اذهب بعيدا ادخل الى عالم الفنان اوليفيرو توسكاني, فهذا الرجل هو صاحب فكرة الصور الشهيرة المستعملة في حملة بينيتون الدعائية والتي نشرت في جميع المدن الامريكية والاوروبية وتظهر صورة طفل رضيع لايزال متعلقا عن طريق الحبل السري بوالدته التي لا ترى في الصورة تحمله يد طبيب مغطاة بقفاز. وقد اثارت هذه الصورة وغيرها من الصور حفيظة الكثيرين وتسببت في اثارة سخط الناس في بريطانيا, وقصة هذه الاعلانات التي اثير حولها الكثير من الجدل بدأت عام 1984 حينما وظف لوتشيانو بينيتون اوليفيرو توسكاني بعد ان منحه مطلق السلطة والحرية لابتداع دعاية تحمل اسم ماركة بينيتون كيفما شاء. وتوسكاني هو مصور ازياء معروف عمل سابقا لمجلة (ايل) الفرنسية ومجلات نسائية اخرى, ثم انتقل الى الاعلانات بعد ان انضم لشركة اعلانات تحمل اسم ايلدو رادو ثم استقل للعمل لوحده. وفي الموسم الاول بعد تعاقده مع بينيتون اطلق توسكاني شعار جميع الوان العالم, وفي ذهنه فكرة تهجين عالم تمتزج فيه جميع الحضارات والاجناس والالوان, وقد ظهر صدى هذا الشعار في المجموعة الكاملة من الكنزات التي تروجها الشركة, ثم تطورت الفكرة عام 1985 الى نوع اخر من الاعلانات, ففي احد استديوهات التصوير في باريس حشد اوليفيرو مجموعة من الاطفال الحمر والصفر والسود والبيض ثم اطلق شعار (هذه بالفعل الوان بينيتون المتحدة) في اشارة الى الرسالة التي اراد ايصالها للناس والتي تقول بكل بساطة (ان الناس يولدون متساوين), ورغم الضجة التي احدثتها اعلانات توسكاني المتضمنة افكارا جديدة وصارخة في تلك الفترة الا ان الناس وخاصة الرافضين منهم تلك الافكار عادوا بعد مضي اكثر من ستة عشر عاما ليطبقوها بعد ان هبت رياح العولمة, فالبريطانيون اليوم اخذوا يهتفون بصوت واحد اصفر, احمر, اخضر, ابيض, برتقالي.. الوان مختلفة, عالم واحد, مما شجع الى تبني حملة دعائية لمكافحة العنصرية في بريطانيا. المثير ان افكار تلك الحملة مستنسخة من طروحات توسكاني والتي طبقها قديما, اذ سيظهر الملاكم البريطاني, اليمني الاصل نسيم حميد بطل العالم السابق في وزن الريشة على شاشة التلفزيون البريطاني قبل اعياد الميلاد بشعر اصفر وعينين زرقاوين وبشرة بيضاء في الحملة الدعائية المزمع اطلاقها, وسيشاركه العشرات من نجوم المجتمع البريطاني, كما سيظهر لينوكس لويس بطل العالم في ملاكمة الوزن الثقيل ببشرة بيضاء وعينين خضراوين, بينما سيظهر كين ليفنجستون عمدة لندن بملامح احد ابناء الجالية الاسيوية المقيمة في بريطانيا. ويؤكد المشرفون على البرنامج الذي ترعاه جمعية المساواة العرقية على ان ظهور هؤلاء النجوم بالشكل المقرر سيعمل على تذويب الفوارق بين ابناء الجاليات في بريطانيا, حيث يشدد البرنامج على ان لون البشرة لا يضفي ميزات خاصة على الانسان بل انهم لن يتخلوا عن البشرة والملامح التي خلقهم الله بها, وان التغيير الذي يجب ان يتم هو طريقة تفكيرهم تجاه الاخرين. المثير ان هؤلاء الناس يتكلمون عن حقوق الانسان, وعن الوعي والتحضر وينسون في غفلة من الزمن طروحاتهم, فما زال الفرنسيون يقفون وبشكل عنصري رهيب ضد الافارقة والعرب والمسلمين الذي يديرون دفة الحياة, والذين لولاهم ما حلمت فرنسا ان تظفر يوما بكأس العالم.. ومثلها ايطاليا واسبانيا وغيرها من بلدان اوروبا التي تسودها العنصرية بشكل واضح وقبيح. وبعيدا عن هؤلاء نجد ان العنصرية التي تتغلغل في اغلب المجتمعات الاوروبية والامريكية لم توفر احدا, فها هو مايكل جاكسون الذي عانى طويلا منها والذي يختفي خلف الصورة التي يحب الظهور امام الجمهور بها, انسان يعيش مأساة ربما تصلح ان تكون قصة فيلم من افلام الخيال, فمايكل منذ طفولته وكغيره من الاطفال الامريكيين السود كانت ملامحه لا بأس بها الا انه وامام التمييز العنصري بدأت تتكون لديه تدريجيا عقدة من انفه الافطس ولونه الاسود وبشرته الممتلئة بحب الشباب, ورغم انه كان يحاول تطوير عروضه بتعلم خطوات جديدة الا انه لم يكن ابدا راضيا عن الصورة التي يراها في المرآة.. عموما يظل الشعار الذي طرحه توسكاني هو الشعار الاقرب لمكافحة العنصرية التي بدأت تتواصل بشكل مخيف في اوروبا وامريكا مع ظهور عولمة العالم.. فالألوان ستظل مختلفة والعالم سيبقى واحدا.