هل تنجح الحركة الشعبية الصاعدة في الوطن العربي لمقاطعة المنتجات الامريكية؟ لنعد الى الوراء. حتى عام 1993 عندما ابرمت للمرة الاولى اتفاقية تسوية بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل كان هناك نظام مؤسس سار للمقاطعة العربية ضد اسرائيل يعمل من خلال مكتب ثابت ذى فروع اقليمية ودولية تابع لجامعة الدول العربية. لمدى اكثر من 40 عاما منذ عام 1951 كان مكتب المقاطعة العربية تجربة ناجحة وجادة. بصورة دورية منتظمة كان المكتب يصدر قوائم متجددة سنويا تحوي اسماء شركات امريكية وغيرها من شركات غربية وغير غربية ممن تعاملت خلال السنة مع اسرائيل بصورة مباشرة او غير مباشرة. وعادة ما تشتمل المذكرات المصاحبة للقائمة السنوية على تفاصيل دقيقة عن كل شركة مخالفة وعن طبيعة تعاقداتها مع اسرائيل ونشاطها في الدولة اليهودية. وبناء على هذه القوائم المتجددة تحظر الحكومات العربية كافة التعامل مع الشركات الواردة اسماؤها. ولأن هذه المقاطعة كانت شاملة وصارمة فإن الشركات العالمية كانت تأخذها مأخذ الجد. فكم من شركة امريكية او اوروبية راجعت موقفها وقطعت صلاتها التجارية مع اسرائيل اما خوفا من فقدان السوق العربية او طمعا في دخولها. ولذا كانت المقاطعة العربية التجارية ضد اسرائيل ناجحة. ولكن هذا النجاح ما كان ليتحقق لولا ان المقاطعة كانت تمارس على صعيد حكومي. ما نراه الآن في انحاء العالم العربي شيء مختلف. فالدعوة الى المقاطعة موجهة, لا الى الحكومات, وإنما الى القطاعات الجماهيرية. ورغم ان الجهة المستهدفة بالمقاطعة عند نهاية المطاف هي اسرائيل فإن المقاطعة ليست موجهة بصورة مطلقة الى اي شركات اجنبية تتعامل مع السوق الاسرائيلية وانما هي محصورة في شركات امريكية دون غيرها من شركات ذات جنسيات اخرى. وحتى في الاطار الامريكي فإن الامر محصور في شركات الانتاج السلعي الاستهلاكي. فلا تشمل المقاطعة شركات الخدمات او حتى السلع المعمرة كالاجهزة الالكترونية والسيارات. هنا يجدر بي ان انبه ان غرضي ليس الاستخفاف بحركة المقاطعة الشعبية الصاعدة هذه الايام. على العكس فإنني أؤيدها بكل قوة متمنيا ان يتسع نطاقها ودائرة تأثيرها. اريد ان اقول انه مع تفاعل المقاطعة الشعبية العربية للمنتجات الامريكية يجب ان ترتفع المطالبة الجماهيرية العربية على خط مواز باستعادة نظام المقاطعة الرسمي الذي كانت تتبناه حكومات جامعة الدول العربية. وليس معنى هذا ان نوقف المقاطعة الراهنة على الصعيد الشعبي في انتظار عودة نظام المقاطعة الرسمي.. فقد يعود هذا النظام او لا يعود.. وحتى لو تفاءلنا فإن عودته قد تستغرق زمنا طويلا. غير ان المقاطعة الشعبية للمنتجات الامريكية يجب الا ينظر اليها من منظور الحسابات المادية الصرفية فنقيس مدى نجاحها او فشلها بمدى ما ينتج عنها من خسائر مالية, كثيرة او قليلة, لشركات امريكية. فالخسارة قد تكون متواضعة وليست بالتالي ذات فاعلية مؤثرة. المنظور الصحيح الذي يجب من خلاله ان نقدر قيمة حركة المقاطعة الشعبية يتمثل في انها ممارسة رفيعة المستوى للتربية السياسية الجماهيرية لتوسيع دائرة الوعي الجماعي العربي التضامني بطبيعة التحديات التي تواجهنا كأمة.