قبل عام ونيف كتبت مقالا بعنوان (هل يصبح الصادق المهدي رئيسا للسودان؟) ذكرت فيه ان كل القرائن تدل على ان الصادق مقبل بِعَزْمَةٍ قوية على العودة إلى السودان, وان تلك العودة ستفتح له الطريق لاستعادة منصبه ، السابق في قيادة الدولة, وذلك في اطار الاتفاقية التي وقعها مع الفريق البشير, وسماها بـ (نداء الوطن) وهي تسمية ايحائية تشع بأن انقاذ الوطن أصبح يستدعي قسمة تنهي عملية احتكار السلطة بواسطة حزب واحد مهما اتسع حجم قاعدته, أو قويت شوكته في مراكز الجيش ومواقع الخدمة المدنية وعوالم رأس التجارة ورأس المال, وهي المزايا التي يتوزع امتلاكها ويتمتع بها الحزبان الرئيسيان العاملان في السودان الآن, حزب الأمة وحزب المؤتمر الوطني. العلامات السلبية والايجابية صحيح ان عودة الصادق تأخرت كثيرا, ولم تتم خلال العام الماضي, كما لم تعلن أي اجراءات تقسيم للسلطة, تمكن الصادق من نيل منصب رئيس الوزراء, الذي يتولاه الفريق البشير الآن, ولم يقبل الصادق ان يرشح نفسه في انتخابات رئاسة الجمهورية الجاري الإعداد لها في هذه الأيام, ولكن تلك العلامات السلبية في مظهرها لا يمكن حسابها على انها علامات انتقاص في مسيرة تحقيق اتفاق (نداء الوطن) حيث ان عودة معظم كوادر حزب الأمة العليا والوسيطة إلى الداخل ومواصلة الحزب لاجتماعاته علنا, على الطريقة السودانية في الفضاء الرحب خارج القاعات وبلا حراسة, وبلا اجراءات أمنية ظاهرة, واصدار الحزب للبيانات والقرارات ودعوته للمؤتمرات الصحفية وانشاؤه للتحالفات السياسية, وعودة جيشه من اثيوبيا وانخراط كوادره بمدينة كسلا في الأسبوع الماضي في مقاتلة ومدافعة حركة التمرد التي غزتها كل تلك تعتبر مؤشرات أكيدة معززة لامكانيات نجاح الوفاق بين الصادق وحكومة الانقاذ. وإذا كان الصادق قد رفض ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة إلا انه لم يتخذ موقفا عنيفا ضد اجرائها في هذا الوقت الاستباقي, وعبارة (الاستباقي) مستعارة من الصادق, لأنه سمى تلك الانتخابات (استباقات) وطالب بتأجيلها حتى يتمكن حزبه من تنظيم صفوفه جيدا, والاستعداد لخوض المحافل والمعارك الانتخابية, ولكن حكومة الانقاذ لم تمكنه من ذلك بدعوى ان الانتخابات كان لها موعد محدد معلن من وقت طويل, وانها بالتالي مسألة استحقاقات لا (استباقات)! ان مسألة الانتخابات تمثل مظهر صراع أو مجرد خلاف بين الطرفين, فهي الوسيلة التي تحدد قسمة السلطة وبالتالي يحرص كل طرف على ان يديرها أو ان تدار بشروطه هو, أما ادارة الانقاذ للعملية الانتخابية فهي مسألة واضحة, فكل حكومة تدير الانتخابات تتجه في الغالب إلى تكييف مساقاتها كما تشتهي, وأما من ناحية الصادق فإنه يفضل تأجيل الانتخابات, كما يريد انشاء آلية دولية لادارتها, لا مجرد مراقبتها فقط, ومن هنا تتعزز فرصه بالفوز, سواء بالانتخابات الرئاسية أو البرلمانية, حتى ولو لم يتحالف مع آخرين. هذا هو المستوى المظهري للصراع أو مستوى الصراع المظهري, ولكن تحت ذلك السطح المهترئ يبدو ان هنالك اتفاقاً صلداً بين الطرفين فالصادق يدرك ان الانقاذ لن تتخلى له عن (كعكعة) السلطة بأكملها, كما لن تقبل بشروطه لتحديد مواعيد وأساليب الانتخابات, ومن ناحية الإنقاذ فإنها ادراكاً منها لضخامة قوة حزب الأمة قدمت له تنازلات ضخمة بلا شك, ولكن لا يدري أحد كنهها بالتحديد, كل ما يمكن معرفته انها تنازلات غير مرتبطة بموضوع الانتخابات, الذي تريده ان يمر كتحصيل للحاصل, أو كتقرير للأمر الواقع, من دون أي مدلولات أخرى, ومن هنا فربما قبل الصادق ـ على مضض ـ بموضوع الانتخابات, باعتباره من شئون حكومة الأمر الواقع, كما سبق له ان سماها عندما بدأ تفاوضه معها في جنيف ثم جيبوتي. (تهتدون) و (تبصرون) هذا التفاهم الراسي تحت مظاهر الخلاف والصراع, سماه الصادق في الأسبوع الماضي بأنه (حوار مبصر وليس كالحوارات الطرشاء) وبغض النظر عن عدم انضباط التقابل والتضاد بين (البصر) و(الطرش) ووهو الأمر الذي يبدو انه مجرد زلة لسان أو استعجال في التعبير قد ساق إليه إلا ان المعنى الممكن استشفافه من ذلك التعبير ان الطريق قد أصبح سالكا جدا بين الطرفين, وان كان كل ما يدور في ذلك الطريق لا يزال ممتنعاً عن الرصد والتسجيل والتصوير لغير من يسيرون على ذلك الطريق. بعودة الصادق يبدو ان التفهم (المبصر) سيزداد تبصرا( وعودة الصادق هي أبرز علامات هذا التبصر وهي تستحق بذلك أكثر من رحلة الخروج لأن تسمى (تهتدون) لأن (الاهتداء) و (التبصر) شيء واحد, أو قريب من قريب, وإذا كانت رحلة الخروج قد مثلت أحد أبرز حوادث نهايات القرن الماضي في السودان, فإن رحلة العودة هي بلا شك أحد أبرز أحداث بداية القرن الجديد في السودان, فهي اعادة الاعتبار الأكبر للصادق, حيث تبدت فيها شعبيته من خلال استقبالاته بالخرطوم, سواء بالمطار أو بالطرقات أو بمقر قيادته بأم درمان, ولم يكن مسموحاً له من قبل بمثل تلك الاستعراضات, ولكن قوته بدت جلية واضحة في هذه المرة, وذلك في رسالة مكشوفة موجهة إلى الحكومة نفسها, حتى تنزله المنزل اللائق به, وفي رسالة أخرى موجهة إلى بقية أحزاب المعارضة ورسالة ثالثة إلى الدول الاقليمية التي ترعى محادثات السلام بين فصائل المعارضة ونظام الخرطوم. أما قسمة السلطة تبدو أنها ستكون معرض البحث التفصيلي عقب الزيارة مباشرة والزيارة هي أقوى قرائن وأدلة وجود تلك القسمة في شكلها الاجمالي المخبوء مع ذلك عن الأنظار وقد أدت عودة الصادق إلى مضاعفة نشاط حزب الأمة بالداخل, واطفاء أكثر بؤر الخلاف, والتشظي فيه, وعودة بعض من هجروا الحزب خلال العشرة أعوام الماضية إليه, وسيتهيأ الحزب بذلك ليس لخوض الانتخابات, فإن الصادق قد عمد بفطنة إلى تحديد موعد عودته, ليكون بعد آخر موعد لقبول الترشيحات وإنما سيتهيأ الحزب ليكون في مقام القوة السياسية الكبرى, التي ترث حكم الانقاذ في اللحظة التاريخية السانحة, وقبل ذلك فلا يستبعد ابدا ان ينشأ بالتدريج ائتلاف حكومي ما بين الطرفين, يتوج بتولي الصادق المهدي لرئاسة الوزراء, وتولي حزب الأمة لمعظم الوزارات الخدمية, وأكثر الحكومات الاقليمية مع احتفاظ الانقاذ بوزارات السيادة والأمن والشئون الخارجية واحتفاظ البشير برئاسة الجمهورية, مع التخلي عن كثير من سلطاته للصادق المهدي. وبذلك يكون قد انتهى الفصل الخائم للانتخابات, ليبدأ الفصل الافتتاحي للاستحقاقات ولعل أول اشارة لبداية هذا الفصل هي ما صدر عن الفريق البشير في مُفتتح ديسمبر الحالي, حيث صرح بأن المباحثات ما بين حزب المؤتمر الوطني (حزب السلطة) وحزب الأمة تمضي في اتجاه الوصول إلى صيغة لاقتسام السلطة تكون محل اجماع (الأصح ان يقول محل اتفاق) ولم يعترض الصادق على ذلك التصريح ولم ينف محتوياته, وربما كان ذلك هو أسلوب الخطاب المتفق عليه بين الطرفين: ان تأتي الدعوة لاقتسام السلطة من الحكومة, حتى يبدو حزب الأمة في صورة المستجيب, لا المتلهف, ولا المطالب بحقه في تلك القسمة!! أستاذ العلاقات الدولية ـ المسيسبي ـ الولايات المتحدة