عندما ذكرنا بأن حالة المسلمين بشكل عام في رمضان من السعي لرفع الهمة والعزيمة الى اقصى درجات الاداء لا تحقق المرجو لمقام هذا الشهر العظيم لا نعني بهذا حرمان شريحة من المسلمين حقها من هذا الحديث، وان كان يشمل الجميع, فالبعض استثناء من الكل يضع رمضان على جدول تفكيره طوال العام, فيأخذ عهداً على نفسه بالتفرغ شبه التام للصيام وقراءة القرآن ثم مواصلة التراويح بالقيام والاعتكاف, انتهاء بأداء عمرة رمضان. هذه العبادة المبرمجة لا يجب ان تذهب بنا الى مقولات من يزعم بأن هؤلاء يمارسون هوايات في أوقات الفراغ او انهم فرغوا اوقاتهم لهذا العمل بدل الاهتمام بأداء واجبات الوظيفة المعتادة. فرق كبير بين من يتذرع بالتعبد تهرباً من العمل في هذا الشهر او كسلا لمواصلة التهاون وتحمل مسئوليات العمل اليومي لاراحة النفس والبدن من عناء الوظيفة, وبين من يكدح طوال العام على رزقه ثم يأتي في رمضان ليغير ذلك النمط من الكدح والاجتهاد لكسب العيش الى التفرغ لرياضة روحية تكون له عونا لمواجهة اللقاء المحتوم (يا أيها الانسان إنك كادح الى ربك كدحا فملاقيه) الآية 6 ــ سورة الانشقاق. وهؤلاء لا نريد ان نصفهم بالعباد والزهاد الذين تقرأ سيرهم في كتب التاريخ, لأننا لسنا في مقام التزكية فالرب أعلم بهم, هذه الصفات التي تنحرف بالمصطلحات الى غير معانيها لأن البعض يستخدمها ويطلقها على بعض المسلمين تعبيراً عن تطليقهم الدنيا وما فيها من مشاغل تبعد الناس عن التفكير الايجابي بالعمل للآخرة. فمن لا يجيد فن عبور جسر الدنيا الى الضفة الاخرى, اي من لا يملك الوسائل السليمة او المركبة الصالحة بختم المرور الرباني فإن التغني بكرهه للدنيا ومغرياتها لا يغني عنه شيئاً, لأنه يقع فيها من حيث لا يحتسب. فالعبادة التي تؤهل للجمع بين جناحي الحياة, هي التي توصل الى الهدف في اقصر طريق, فموازين الأعمال عند رب العالمين حساسة جداً وقد لا يكون من ضمنها كثرة الصلاة او الزكاة او الحج او الصيام واجباً وتطوعاً هي الحكم فرب دمعة سقطت من عين متحجرة تفتح لصاحبها ابواب الجنان, فللعبادة في رمضان ظاهر وباطن فقد يطغى لدى البعض جانب على آخر فالظاهر تتحدث به الألسن أما الباطن فعلمه عند ربي وهو الأهم. د. عبدالله العوضي E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae