هل فكر احدنا ذات يوم ان يقوم بجردة مع ذكريات الماضي بأشيائه الباقية في أماكنها سنة بعد سنة؟. هذا ما أقدمت عليه ذلك اليوم حينما هبت فيّ نسمة نشاط وحمية نادرتان ففتحت بعض الادراج في المنزل، لأجد اشياء طال بها عهد الغبار, وعلاها الصدأ ولأجد أوراقاً ضربها الزمن بسيفه الأصفر فمالت الى لون بني فاتح! كانت جردة حساب قاسية مع أوراق بعضها يعود الى عقدين من الزمن ظلت معي لانها تنتمي الى زمن نبيل, زمن عذب لن تتكرر ايامه ثانية, رسائل ناعمة, قصاصات صحف لمقالات أحببتها, صورة بالأبيض والأسود لمارلين مونرو, بطاقة دعوة الى سينما اوغاريت المحالة الى التقاعد, قصيدة عن قسوة المدن مقتطعة من ديوان محمد الماغوط, بورتريه بالرصاص رسمه محمد ابو صلاح لفتاة احبها ذات عام, عناوين لمجلات وصحف معظمها لم يعد على قيد الحياة, وعشرات الأوراق الاخرى التي تحمل كل منها عبقاً خاصاً, أو ذكرى جميلة أو بداية لمشروع لم يكتمل. لم أجرؤ على اتلاف كنز الذكريات ففضلت ان اجرد خزانة الثياب وصرفت ساعتين في تنسيق اقمصة وسراويل لم تعد مناسبة رغم انها جديدة, لكن الزمن اضاف بعض الارقام الى قياس الخصر واضاف سنوات أخرى الى عمر الشاب الفتي ولم يعد المقاس مناسباً ولم تعد الألوان الزاهية تناسب الأربعين, فكان سهلاً احالة بعض الثياب إلى المعاش, وكان رائعاً تهوئة الخزانة واتساع المكان من جديد. كثيرون يخافون من جردة الزمن لانها مضيعة للوقت, وأنا شخصيا أفضل ان تتخلص زوجتي من بعض الاشياء القديمة دون علمي, لأنها تدرك انني لن أفعل وان فعلت لن اتخلص سوى من 5% مما هو مرشح للتفنيش, ويحبذ دائماً ان يقوم شخص آخر بهذه العملية لانه سيكون أقل رأفة, وهكذا سيجد الزوج ان خزانة الاحذية باتت تتسع لحذاء الرحلات وحذاء التريض ولحذاء البيت, وان درج الطاولة صار نظيفاً ويمكن الوصول الى مفك البراغي بسهولة, وان الشرفة صارت أكثر اشراقاً بعدما اوعزت الزوجة الى الناطور ان يخلصها من الكراكيب التي يكدسها الزوج سنة بعد أخرى, وان البيت صار فيه مجال اوسع للحركة دون كدمات تسببها اطراف الطاولة المدببة على الأرجل أو جباه الاطفال. وبجردة بسيطة لألفية الزمن التي مرت سيدرك المرء كم كان سابقوه أوفر حظاً منه لانهم عاشوا في بيوت واسعة جداً, وكانت متطلبات حياتهم أقل تعقيداً وانهم كانوا سعداء بالمكان الذي نبتوا فيه, ولم يكدرهم شيء كمسألة ان يبقوا على قيد الحياة.. وأخالهم قد فعلوا والا لما كنا نحن الآن نشكو ضيق المكان, ونتبرم من قلة الرزق رغم وفرته, واذا كان هناك من يستحق الغبطة, فانه سيدنا آدم فلم يزاحمه أحد على شيء ولم يكن يجرد الزمن ليتخلص من متعلقات الماضي, فقد كان الماضي يبدأ من عنده أو من عند ورقة التوت, ولا نامت أعين الحساد. حسين درويش