رغم انتصاراتها العسكرية المتتالية لم تستطع اسرائيل ان تحول تفوقها الى فوز سياسي حاسم على العالم العربي. في الصراع بين اسرائيل والعرب نجحت اسرائيل في انتزاع قبول عربي مشروط بالدولة الاسرائيلية, ولكنها لم تستطع ان تحول انتصاراتها الى قوة شاملة تسيطر على كل جبهات الصراع, وتفرض من خلاله ارادتها على العرب. في الاطار التاريخي هناك ميزان جديد يفرض نفسه في المعادلة الناشئة بين العرب واسرائيل هذا الميزان هو ذلك التوازن المرتبط بالعلاقة بين الاقلية اليهودية في الشرق العربي والممثلة بدولة اسرائيل وبين الاغلبية العربية الاسلامية الممثلة بالفلسطينيين والعالم العربي والاسلامي المؤيد لقضيتهم. في هذا المجال ستجد الأقلية اليهودية ان مستقبلها في الشرق له مدخل واضح: احترام الاطار العام والحقوق الأساسية للمحيط الذي تعيش في وسطه في هذا المجال لن يختلف هذا التقبل والتفاعل عن نظيره في جنوب افريقيا حيث اقرت الاقلية البيضاء في نهاية الطريق الصعب بحقوق واضحة للأغلبية السوداء. ان الصراع اليوم يدور حول شكل هذا التعايش ومضمونه, وهو صراع لن ينتهي بلا تعديل للعلاقة بحيث يكون التعايش مبني على غياب الاضطهاد والاستعمار. ويعتقد المجتمع الاسرائيلي هذه الايام ان العالم العربي قد عاد لمرحلة الخمسينيات وفتح باب الصراع الابدي ضد الوجود اليهودي في فلسطين وهذا يفسر اجواء التخوف في المجتمع الاسرائيلي. لكن رغم حقيقة ان الخسائر الاسرائيلية تكاد لا تذكر في هذا الصراع الذي دفع الجانب الفلسطيني فيه كل الخسائر البشرية والانسانية الا ان التخوف الاسرائيلي مرتبط بالمستقبل بأكثر مما هو بالماضي, وهو مرتبط بالخوف من حروب جديدة واستمرار في حالة قتال لا نهاية لها مع العالم العربي, ان صعود نجم اليمين الاسرائيلي ورئيس الوزراء السابق نتانياهو مرتبط بعدم المقدرة على تفسير سبب الفشل في عملية السلام وبينما تميل اتجاهات الرأي العام الاسرائيلي نحو اليمين بعد فشل تجمع العمل وقيادة باراك في تحقيق التسوية, الا ان هناك بنفس الوقت تقبل في الوسط الاسرائيلي لمبدأ مزيد من الانسحابات من الاراضي الفلسطينية وذلك مقابل عدم التورط في حرب لا نهاية لها مع العرب وقد تؤدي هذه الانتفاضة الى قناعة اسرائيلية بأنه بلا انسحاب من القدس لن يكون هناك حل دائم ويعود هذا الاثر لطبيعة قوة الانتفاضة, ويعود بالوقت نفسه لطبيعة الاثر الذي تركته ردة الفعل العربية والاسلامية حتى الآن, فقد ادت عملية استعادة العرب للكثير من مشاعرهم التضامنية الى جعل الاسرائيليين يشعرون بحجم هذا التضامن وعمقه. ويطرح الاسرائيليون شكلاً من أشكال الانسحاب من جانب واحد وذلك كحل للحالة الراهنة ويطلق الاسرائيليون على هذا الحل لقب (الفصل) في هذا المجال يطرحون فصلاً شاملاً بين العرب واسرائيل يقوم على انسحاب من معظم اراضي الضفة الغربية المحتلة وما تبقى من قطاع غزة والاعتراف بدولة فلسطينية, هذا الانسحاب يصاحبه ايضاً سعي اسرائيلي لضم اراض من الضفة الغربية التي تصل الى حدود 8% حيث الكثافة الاستيطانية, ويشمل ذلك ضم قطاعات من القدس حيث توجد كثافة استيطانية اخرى تتجاوز المئتي الف مستوطن ويصاحب هذا ايضاً اخلاء للمستعمرات الصغيرة والبعيدة هذا التصور الذي يتردد الآن في بعض الاوساط الاسرائيلية السياسية والرسمية يعكس حدة اثر الانتفاضة على اسرائيل لكن هذا التصور الاسرائيلي الذي يدور في اوساط قيادية وسياسية لا يعالج جوهر المشكلة, انه بالتالي نمط من انماط الانسحاب امام حالة الانتفاضة المستمرة ومحاولة الخروج من المستنقع دون انسحاب كامل من الاراضي التي احتلت عام 1967 ودون ايجاد حق حقيقي للقدس وللاجئين وهو لهذا يبقي الصراع مفتوحاً. ان المجتمع الاسرائيلي على مفترق طرق فاما ان يأخذ طريق العنف والمواجهة كما هو حاصل الآن, وهذا يشكل مقدمة لصراع لا نهاية له, من جهة اخرى امام الاسرائيليين خيار الانسحاب واخذ قرار جاد بالتوصل لحل كافة القضايا استناداً الى القرارات الدولية. العدالة تجاه الفلسطينيين, والعدالة تجاه حقوق العرب والمسلمين في القدس, والعدالة في الاراضي العربية السورية المحتلة والعدالة في التعامل مع العالم العربي والاسلامي هو مفتاح التعايش والاستقرار. وفوق كل شيء على الوضع العربي المتضامن مع القضية الفلسطينية ان يتطور لصالح مواكبة الوضع الراهن بما يسمح بانتزاع الحقوق العربية على ارضية العدالة والتضامن فالانتفاضة الراهنة وافرازاتها فتحت المجال لفرصة تاريخية يجب ان لا تذهب ادراج الرياح كما ذهبت فرص وتضحيات سابقة. * أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت