سيارة منطلقة على شارع ما من شوارع الضفة الغربية تقل شخصيات فلسطينية معينة مطلوبة للسلطات الامنية الاسرائيلية.. فجأة تظهر على الافق مروحية اسرائيلية وكأنها على موعد مع السيارة وتطلق صاروخا يحيل المركبة ومن فيها جميعاً الى رماد في لمح البصر. لماذا هذه الدقة الاسرائيلية المريبة؟ كيف تعلم السلطات الاسرائيلية سلفاً ان هناك سيارة ماركة كذا, موديل كذا, باللون كذا واللوحة الرقمية كذا, سوف تكون منطلقة على الشارع الفلاني في الوقت الفلاني.. واكثر من ذلك انها تحمل فلانا وفلانا وهما من قيادات ميليشيا (فتح) او كتائب عز الدين القسام المطلوب اسرائيلياً تصفيتهما جسدياً؟ ليس سراً ان اجهزة الامن الاسرائيلية المنضوية تحت لواء جهاز الامن الداخلي الاكبر الذي يطلق عليه (شين بيت) تملك رصيداً استخباراتياً ضخماً ومفصلاً عن الاجهزة التنظيمية السرية لميليشيا (فتح) وجماعتي (حماس) و(الجهاد الاسلامي) والتشكيلات القتالية التابعة لكل منهما, وهو رصيد تجمع لمدى سبع سنوات من (التنسيق الامني) بين الاجهزة الامنية الاسرائيلية ونظيراتها الفلسطينية الذي انضمت اليه وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية لاحقاً. من خلال هذا (التنسيق الامني) كان رجال الامن الفلسطينيون يتبرعون بتزويد نظرائهم الاسرائيليين بكل ما يتجمع لديهم من ملفات سرية تحمل ادق التفاصيل عن كل تنظيم, بل وكل فرد يمارس نشاطاً (معادياً لعملية السلام) وعلى خط مواز كانت الاجهزة الفلسطينية تدبر بالتعاون مع الاجهزة الاسرائيلية حملات ملاحقة ومداهمة لاحباط اي عملية فلسطينية تستهدف الاسرائيليين. وهكذا كان للاجهزة الاسرائيلية رصيد معلوماتي ضخم عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية قبل نحو شهرين ونصف الشهر وهذا ما يفسر لنا نجاح تلك العمليات الخاصة ذات الدقة المعلوماتية المتناهية التي نفذت تصفية قيادات فلسطينية معينة ومحدودة. وبذلك فإن الانتفاضة الفلسطينية اذ تبرهن يومياً على صمودها واستمرارها فإنها في الوقت نفسه يفرض عليها ان تدفع ثمن تنازلات اوسلو. لقد كان الظن قبل اندلاع الانتفاضة ان الغاء بند الكفاح المسلح من (الميثاق الفلسطيني) كان افدح تنازل تبرعت به القيادة الفلسطينية الى اسرائيل, ولكن بعد اشتعال الانتفاضة يتضح الآن, وبصورة عملية بشعة, ان قبول القيادة الفلسطينية بنظام (التنسيق الأمني) هو خطأ أفدح. (التنسيق الامني) عبارة بريئة على الورق لكن على الصعيد التطبيقي كانت العملية عطاء معلوماتياً متصلاً من طرف واحد ــ الطرف الفلسطيني ــ ولهذا فإن هذه العملية بقدر ما افادت العمل الامني الاسرائيلي بقدر ما اضرت بالعمل النضالي الفلسطيني. ما شهدناه من تصفية عناصر نضالية فلسطينية هو في حد ذاته خسارة جسيمة لكن الضرر لم يقتصر على ذلك, فتعاون الاجهزة الامنية الفلسطينية مع الاجهزة الاسرائيلية كان خصماً على القوة التفاوضية الفلسطينية واضافة ايجابية الى القوة الاسرائيلية. ومع استمرار الانتفاضة سوف تظل اللعنة الشعبية الفلسطينية تلاحق اوسلو كلما انطلق صاروخ اسرائيلي لينسف سيارة معينة على طريق معين في ساعة معينة وهي تقل اشخاصاً معينين.