هناك ظواهر خطيرة في حياتنا العربية, بمختلف اشكالها السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها مما يمكن تلخيص كل منها بعبارة صغيرة جدا في عدد كلماتها وكبيرة للغاية في مدلولها. ومنها على سبيل المثال (التشبث بالرأي) ، و(الانفعال السياسي) و(تكبير الصغير) و(الفساد) و(غياب المؤسسات الشعبية) و(الحكم العسكري) و(تجارة الكلام) وغيرها. وهذه الظواهر التي تبدو قليلة نسبيا في عددها تتكرر وتتراكم باستمرار في ممارستنا العربية اليومية, وتؤثر تأثيرا مدمرا ومأساويا في محصلة أدائنا ومردود عملنا. وهي تشكل حلقات من بين ظواهر اخرى مشابهة, تتجمع كلها لتشكل في نهاية المطاف ما نسميه بمعضلة التخلف. وبتعبير آخر, فإن التخلف العربي ليس كتلة جامدة او مظهر واحد متماسك يمكن القضاء عليه بجرعة مدهشة من جرعات التقدم, او بوصفة سحرية من وصفات التطوير بل هو مجموعة من العادات والممارسات والافعال والنشاطات والعوامل والمظاهر غير السليمة, والتي تتكاتف وتتعاضد مع بعضها بعضا, لتحولنا الى امة تفتقر الى خصائص التقدم وتعوزها سمات الحضارة, وتجعل محصلة جهودها ونشاطاتها خاسرة وفي غير مصلحتها. وحتى نصحو من السبات ونبدأ في النهوض, لابد اولا من تحديد الظواهر السلبية في حياتنا, وتسليط الاضواء الكاشفة عليها, ومن ثم مواجهتها, ومحاولة محاصرتها واستئصالها شيئا فشيئا, وبالتدريج وخلال فترة طويلة من الزمن, وسأعرض في هذه العجالة بعضا منها, مما يبدو انه يسهم الى حد بعيد في ابقائنا في الدرجات الدنيا من سلم التاريخ ومدرج الحضارة: ولنبدأ بظاهرة (التشبث بالرأي) التي تدل على الغرور وجمود العقل وتحجر الفكر, وتؤدي الى الاختلاف والاختصام والشقاق, واحيانا الى الاقتتال وربما الى ارتكاب الجرائم واندلاع نيران الحروب. فعندما يتصلب الانسان العربي بعناد وغطرسة ويتشبث برأيه تشبثا اعمى وغير مبرر, يضع نفسه في مواجهة الآراء الاخرى المعاكسة لرأيه, فينشأ صدام قابل للتطور بدرجات متفاوتة الخطورة. وتتخذ ظاهرة التشنج في الرأي اخطر اشكالها عندما يكون فارسها من اصحاب القرار والنفوذ. وفي الحالة قد نراه يتخذ قرارا مصيريا خاطئا. وعندما يحاول العقلاء وأهل الحكمة والمشورة اقناعه بخطأ قراره, اذا كان خاطئا, يرفض النصيحة ويركب رأسه ويصر على موقفه المتعنت, فتكون العواقب وخيمة ومأساوية. وخلاصة القول, ان التشبث المفرط بالرأي يبدو امرا بسيطا في الظاهرة ولكن اخطاره افدح بكثير مما نتصور, فلنفتح اذن صدورنا برحابة للنقاش الحر, ولنلين عقولنا, ولنشرع منافذ الحوار والاخذ والردع مع الآخرين, ما استطعنا الى ذلك سبيلا حتى نقترب من سواء السبيل, ولا نبتعد عن الحقيقة التي لا يستطيع احد ان يزعم انه وحده يملكها. وننتقل الآن الى ظاهرة تخلفية اخرى, وتتعلق (بالانفعال السياسي) الذي يشير الى معان عديدة, منها اتخاذ قرارات سياسية خطيرة في ضوء تأثيرات عاطفية ومشاعر حماسية مؤقتة, املتها ظروف طارئة. وفي هذه الحالة تنشأ اضرار لا يمكن تحديد مداها.. ولنتصور زعيما يبادر الى شن حرب مدمرة, وهو في حالة غضب وفوران, دون ان تكون هناك مبررات وموجبات كافية لمثل هذا الاجراء. وللانفعال السياسي المفرط آثاره السيئة, ليس في المجال السياسي, فحسب, وانما في ميادين اخرى, كالحقل الصحفي, مثلا وهذا يحدث عندما يدبج كاتب ما مقالا وهو في حالة هياج نفسي, فيتحول مقاله الى كتلة من الهدير الكلامي والحماس الخطابي دون ان يكون له اي مضمون فعلي. وافضل حل لمواجهة القرارات الانفعالية غير العقلانية يكمن في الديمقراطية التي تقضي بالتشاور والرؤية وعدم السماح بسيادة الرأي الفردي المستبد. ونأتي الآن الى ما يمكن ان نطلق عليه عبارة (تكبير الصغير) وهي تمثل ظاهرة مضحكة ومبكية وطريفة في آن واحد. ويحدث هذا, عندما يتم اسناد مناصب حساسة ومراكز نفوذ عليا الى اشخاص (مهلهلين) ويعانون من ضعف المؤهلات وضآلة القدرات وهزالة الكفاءات. ونتيجة لذلك يصبح المردود الوطني في جميع المجالات مهلهلا ومتداعيا. وهنا, مهما حاولت السلطة تحسين الاحوال وتطوير الاداء ورفع المردود, فإن جهودها تذهب ادراج الرياح, لأن الاناء لا ينضح الا بما فيه, والاشخاص الصغار والضعاف, عندما يشغلون المناصب, لا يمكن لممارساتهم, الا ان تتمخص عن نتائج صغيرة وضعيفة. ويحدث هذا في الحياة الصحفية ايضا, حينما نجد مقالات سخيفة لكتاب هزيلين لم يشبوا بعد عن الطوق الادبي, منشورة في صدر دورية ما, وفي ابرز مكان فيها, مما يؤدي الى تراجع مكانة الدورية وتقلص انتشارها, وجعلها في موضع التنذر. وهكذا فإن من واجبنا ان نضع كل شيء في مكانه الصحيح المناسب, سواء تعلق الامر بمناصب الدولة, او بزوايا الصحف والمجلات, او بأي مجال آخر. ولا ننسى ظاهرتي (الطائفية والمذهبية) المتشابهتين, واللتين تشتدان مع تناقض الوعي وتجذر التخلف, وتؤديان الى التناحر والتصادم بين ابناء الوطن الواحد ذوي المصالح المشتركة والهموم الواحدة, لا لشيء الا بسبب ترسبات نفسية لا شعورية وافتراضات وهمية لا اساس لها من الصحة. فالانسان عندما تطأ قدمه ارض الحياة, لا يكون مسئولا عن ملته ومعتقده. فهو يرثهما عن والديه وأجداده, ولا يجوز ان يحاسب عليهما, ولا سيما انهما يعدان مسألة شخصية لا تؤدي الى المس بمصالح الوطن او المجتمع ولنستذكر ان في الهند عشرات الديانات. ومع ذلك, فالجميع يعيشون هناك امة واحدة ذات اهداف وتطلعات مشتركة. وفي البلدان المتقدمة, يتم تقييم الانسان على اساس علاقاته مع الآخرين ومدى التزامه بواجباته الوطنية والاجتماعية وتقيده بالقيم الاخلاقية. فهذه هي الامور التي تنطوي على تأثيرات عملية وحقيقية. ونذكر كذلك ظاهرة غياب المنظمات الشعبية التي اصبح يشار اليها حديثا بمؤسسات المجتمع المدني. وهذا الوضع يجعل السلطة في موقع الآمر الناهي وصاحب الامتيازات المطلقة التي لا تقيدها اية ضوابط شعبية, كما يحول الشعب الى ما يشبه قطعان الغنم التي لا حول لها ولا قوة. وهكذا فإن علينا ان نولي بناء المجتمع المدني العربي ما يستحق من اهتمام بالغ, حتى نستطيع اللحاق بعصر الديمقراطية. ومن الظواهر المرتبطة بذلك ايضا, ظاهرة (الحكم العسكري) التي تعني سيطرة القوة وتحكم العسكر في شئون الدولة, وتسلطهم على الحياة المدنية, دون ان تكون لهم خبرة سياسية كافية, مما يؤدي الى انعدام الحرية وخنق المجتمع المدني وعدم سلامة القرارات السياسية. ولا يفوتنا ان نشير الى ظاهرة الفساد التي تشتد في الدول النامية نتيجة لضعف الرقابة والقانون. وفي هذه الحالة, تصبح جميع موارد الدولة والدخل القومي تحت رحمة ضعاف النفوس, وتغدو كل المشروعات التنموية والاقتصادية عديمة الجدوى, بسبب وجود مصرف الفساد الذي يمتص معظم الجهد ويستنزف جل المال. وبتعبير آخر, فإن سرقة المال العام, اذا استشرت وانفلت عقالها. تنقلب الى كتلة من النيران الملتهبة التي تحرق كل ما يصادفها, وتحول مزارع الدخول القومية والمشروعات التطويرية الى ارض يباب وصحراء قاحلة. اذا اردنا ان نتجنب الفقر والعوز, وما يترتب عليهما من عواقب وخيمة تنعكس على جميع نواحي الحياة. ونعرج اخيرا على ظاهرة تجارة الكلام التي تجعل الاقوال بديلا عن الافعال, مما يفسح المجال امام التموية والاحتيال والخداع واغتيال الحقيقة. ومع تكرار هذه الظاهرة, تصبح جميع التصريحات والبيانات والوعود التي يدلي بها رجال السياسة, خالية من المضمون والمصداقية وتتحول الى مجرد صراخ في الوديان, او كلام في الهواء, لا يقيم له احد وزنا ولا يأبه به انسان فلنجعل اقوالنا موازية لافعالنا ولنكيف مقاسات كلامنا مع حجوم اعمالنا اذا اردنا ان ننال الموثوقية والاحترام. كانت هذه بعض الصور المؤسفة والبقع الداكنة في مشهد حياتنا العربية المعاصرة وهناك غيرها الكثير مما يؤثر تأثيرا كبيرا على تقدمنا وازدهارنا. كاتب سوري