حضرت في الثامن عشر من نوفمبر الماضي افتتاح مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية. وكان ذلك بوصفي أحد الذين كتبوا الأوراق البحثية المطروحة للنقاش في المؤتمر, وبوصفي مقررا للجنة الثقافية والاعلام في المجلس القومي للمرأة، في مصر, وهو المجلس الذي نظم المؤتمر بمشاركة جامعة الدول العربية ومؤسسة الحريري التي تشرف عليها بهية الحريري. وجلست, طوال الجلسة الافتتاحية, أنصت الى الكلمات التي قيلت, وأرقب وفود الدول العربية الجالسة أمامي, وأتطلع الى الوجوه الفرحة بانعقاد المؤتمر الذي يجمع للمرة الأولى هذا العدد الكبير من السيدات الأول على مستوى الوطن العربي, كما أتطلع الى الوجوه المشحونة بالتوتر والقلق, وبخاصة الوجوه التي كانت تستعد للحديث عن همومها القطرية بالدرجة الأولى. وكانت كلمة فلسطين وكلمة القدس تترددان على ألسنة كل الذين تحدثوا وكل اللائي تحدثن في الوقت نفسه, فقد كانت انتفاضة القدس, ولا تزال, تطرح نفسها على الوعي العربي وتفرض عليه الانشغال بها والحماسة لها.. وأحسب أنه لولا ظروف التحدي التي تمر بها الأمة العربية, والمخاطر التي يواجهها شعبنا العربي في فلسطين, ما كان يمكن لمؤتمر قمة المرأة أن ينعقد على هذا النحو وبهذا الحشد. وكنت أقول لنفسي, وأنا أستمع للكلمات, إن لانعقاد مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية على هذا النحو في القاهرة دلالات متعددة, فالمؤتمر تأكيد للارادة القومية للمرأة العربية التي تؤرقها الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في نضاله اليومي ضد الغاصب الاسرائيلي, ولذلك كان المؤتمر بحق مؤتمر فلسطين بوجه عام والقدس بوجه خاص. وبقدر ما كان التركيز على قضية فلسطين تجسيدا لارادة التحرر العربية, تلك الارادة التي لا تعرف التمييز بين رجل وامرأة, كان هذا التركيز في ذاته دلالة على فاعلية الدور السياسي الذي أصبحت تقوم به المرأة العربية, خصوصا بعد أن لم تعد السياسة حكرا على الرجل, وبعد أن أصبح الرصاص الاسرائيلي لا يفرق بين رجل فلسطيني أو امرأة, بل بعد أن أصبحت وعود المستقبل الحرة موصولة بالجهد المشترك بين الرجل والمرأة في كل مكان. واذا كانت بعض الأقطار العربية لم يمنح للمرأة فيها حق المشاركة السياسية الكاملة فإن ممارسة هذا الحق لن تتأخر طويلا, خصوصا بعد أن عرفت المرأة العربية معنى التضافر والتعاون من أجل تحقيق الحقوق التي تقابل الواجبات. ولم تكن الدلالة القومية السياسية هي الدلالة الوحيدة في انعقاد هذا المؤتمر, فقد كانت هناك الدلالة الاجتماعية, تلك التي تتمثل في احتشاد ما يقرب من ألف سيدة وفتاة في قاعة المؤتمرات بمدينة نصر بالقاهرة. وكن جميعا ممتلئات بحماسة المشاركة التي تعني اعلان التحرر من القيود الظالمة التي وضعها الرجل, واعلان التخلص من سطوة التقاليد البالية التي حرصت على وضع المرأة في أدنى مراتب السلم الاجتماعي بالنسبة للرجل. وكان الحضور الساطع للسيدات الأول, جنبا الى جنب غيرهن من رئيسات الوفود, وغيرهن من الباحثات والمثقفات والناشطات في المنظمات النسائية الحكومية وغير الحكومية, بمثابة تمثيل مؤتمر فعال لطلائع المرأة العربية التي نجحت في كسر الكثير من جدران التراتب الاجتماعي الذي حال بين المرأة والمساواة الكاملة بالرجل في الأدوار الاجتماعية التي يمكن أن ينهض بها كلا الجنسين دون تمييز أو تفريق. وكنت أبتسم ابتسامة أحاول أن أخفيها وأنا أرى حيرة المتحدثات والمتحدثين في استخدام ضمائر التأنيث أثناء الكلام, فالمؤتمر مؤتمر قمة للمرأة, والأغلبية الساحقة من الحضور نسائية, ولذلك كان ينبغي استخدام ضمائر التأنيث في خطاب الأغلبية, ولكن بعض المتحدثات تعودن على ضمائر التذكير بحكم العادة اللغوية الغالبة, خصوصا في مجتمعات تغلب عليها الهيمنة الذكورية, ولذلك كانت الألسنة تلتوي أحيانا, ويختلط التذكير بالتأنيث أو يحل محله على سبيل السهو, فلا تخرج ضمائر من مثل: أنتن وهن على سبيل السهو, وتأتي في مواضعها ضمائر: أنتم وهم. وكادت اهتماماتي اللغوية تدفعني الى اخراج القلم والورقة وتسجيل هفوات اللسان في كلمات المتحدثات, ولكني أمسكت نفسي, مدركا أن الطبع غالب واللغة تميل الى التذكير بحكم الثقافة المهيمنة على ممارستها. ويبدو أن الخواطر المرتبطة بالثقافة الذكورية وهيمنتها هي التي دفعتني الى مقارنة ما أراه أمامي في نهاية سنة 2000 تقريبا بما حدث منذ مائة عام أو يزيد, حين كانت المرأة نسيا منسيا في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية على السواء, وكانت لا تزال تنتسب الى عالم الحريم. وها هو عالم الحريم ينتهي اليوم في الدلالة الرمزية لانعقاد مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية, ومع حرص المرأة العربية في مؤتمرها الأول على تجدد لقاء القمة وتثبيت موعد انعقاده كل عامين, الأمر الذي يعني الاصرار على مواصلة مسيرة التحرر الى النهاية, وبالعزيمة التي تشيع إرادة التحرر النسائي في كل مكان. وعندما كانت حماسة المتحدثات من رئيسات الوفود تتصاعد, ويعلو الصوت النسائي المتحمس على كل شئ في فضاء القاعة الفسيحة التي نجلس فيها, كنت أسترجع بعض صور الماضي القريب والبعيد, لأتمعن في المدى الهائل من التقدم الذي حققته المرأة العربية الى اليوم. وأذكر من هذه الصور ما يؤكد عبر تاريخنا الحديث ومواقفه التي لا تنسى. ومن هذه المواقف أن الجامعة المصرية ما كان يمكن أن تستمر بعد افتتاحها في نهاية سنة ,1908 إلا بفضل امرأة, هي فاطمة بنت الخديوي اسماعيل التي تبرعت للجامعة الوليدة بريع ستمئة فدان من أراضيها, كما تبرعت بقصر كامل وستة من الأفدنة ومجموعة من أنفس مجوهراتها لبناء مقر خاص بالجامعة, وعندما لم تجد الجامعة من المال ما يكفي لاقامة حفل وضع حجر الأساس لمبناها الجديد, تبرعت فاطمة بنت اسماعيل بجميع نفقات الحفل, بما في ذلك طبع الدعوات والاعلانات في جرائد العصر. وكان ذلك في شهر مارس سنة 1914. ومع ذلك كله, لم تستطع هذه السيدة الجليلة أن تحضر الحفل الذي ما كان يمكن أن يحدث لولاها, فأنابت عنها أبناءها الذكور ووكيل أعمالها, وظلت هي حبيسة جدران قصرها, والسبب في ذلك أن تقاليد المجتمع المصري العربي, في ذاك الزمان, ما كانت تسمح لامرأة, حتى لو كانت بنت خديوي وعمة خديوي وأخت ملك, بحضور احتفال عام للأمة, أو أن تشارك فيه, أو حتى أن تكون موضع التكريم منه. واليوم, بعد مضي ستة وثمانين عاما على هذه الحادثة, يتجمع كل هذا الحشد من النساء في قاعة المؤتمرات بمدينة نصر, يتصدرهن عدد غير قليل من السيدات الأول, وفي مؤتمر للقمة يوازي مؤتمر قمة الملوك والرؤساء العرب, ومعهن مئات من النساء المستنيرات اللاتي يسهمن في حركة تحرير المرأة بمشروعات ومؤسسات ومجالس وأنشطة فرضت حضورها الوطني والقومي. ولذلك كنت أستمع الى كلمات السيدات الأول, وهن يبتدأن أعمال المؤتمر بكلماتهن, وأقارن بين الماضي والحاضر, وبين وضع فاطمة بنت اسماعيل ولالا مريم ابنة الملك الحسن وشقيقة الملك محمد الخامس, أو بين فاطمة بنت اسماعيل وسوزان مبارك أو غيرهما من السيدات الأول, فأجد أن الفارق هائل, والمسافة التي قطعتها مسيرة تقدم المرأة العربية كبيرة جدا. وكانت مثل هذه الخواطر تكمل دلالات الحدث الاستثنائي الذي تمثل في اجتماع السيدات الأول, ذلك ا لاجتماع الذي اكتمل معناه بالتجمع الاستثنائي من الباحثات اللائي يمثلن مختلف التيارات الفكرية المتنوعة على امتداد الأقطار العربية وخارجها. هذا الحدث, في ذاته, يدل من ناحية على جذرية ما تحقق في مسيرة تحرير المرأة العربية, عبر قرن من الزمان, لكنه من ناحية مقابلة يغري بالمزيد من الأحلام, وينبه الى الكثير من الواجبات الوطنية والقومية على السواء, إن قوانين عديدة تتعلق بالمرأة لابد من مراجعتها, وتشريعات جديدة لابد من صياغتها, وعقبات اجتماعية وسياسية صعبة لابد من ازالتها, وتحديات فكرية أصعب لابد من مواجهتها, وأحسب أن هذا الوضع أضاف الى مهمات مؤتمر القمة الأول للمرأة العربية مهمة مزدوجة, ما كان يمكن تجاهلها, مهمة تتصل بالتصدي لمظاهر الردة التي أصابت حركة تحرير المرأة في جانب منها, وتتصل من ناحية مقابلة بصياغة ملامح مشروع جذري للمستقبل. وتلك مهمة شاقة, ظلت مطروحة على المؤتمر كالتحدي الملح. وكان يبعث الأمل على انجازها حضور ذلك الجمع المتميز, والعدد الاستثنائي من المشاركات والمشاركين, في أول مؤتمر قمة نسائي يحتشد بالحماسة للدفاع عن حرية المرأة والمطالبة بحقوقها العادلة.