بنظرة فاحصة الى خريطة التوزيع الجغرافي العالمي لوباء الايدز تدرك ان انتشار الوباء متلازم مع انتشار الاباحية الجنسية. ولهذا تبرز بلدان الغرب وافريقيا جنوب الصحراء اكثر من غيرها. الاباحية في اوروبا والولايات المتحدة هي من افرازات التقدم المادي وثقافة الحرية الشخصية التي تتضمن حرية المعاشرة الجنسية كحق يكفله القانون. وفي المجتمعات الافريقية جنوب الصحراء تمارس حرية الجنس دون قيود في اطار ثقافة الاديان القبلية البدائية. لكن هناك قراءة اخرى اكثر اثارة لخريطة الايدز في افريقيا: فأعداد حالات الاصابة في المناطق غير المسلمة اضعاف مضاعفة بالمقارنة مع المناطق المسلمة. وأبرز مثال هو الجنوب الافريقي بالمقارنة مع الشمال الافريقي. ففي حين ان اعداد الاصابة في مناطق جنوب الصحراء تعد بالملايين فانها في بلدان شمال افريقيا تحسب بالمئات فقط. وقس هذا على مستوى عالمي تجد ان انتشار الايدز في المجتمعات الاسلامية حول العالم اقل كثيرا من المجتمعات الاخرى. ليس معنى ذلك بالطبع ان الزنا غير محرم في الديانة المسيحية.. هو محرم قطعا لكننا في هذا السياق نتحدث عن مدى الالتزام بالعقيدة الدينية السماوية, فقد تركت المجتمعات الغربية هذه العقيدة وراء ظهورها. اما في المجتمعات الافريقية جنوب الصحراء فإن المسيحية دين جديد نسبيا لم تعرفه القارة السوداء الا قبل قرن واحد على ايدي بعثات المبشرين الاوروبيين بينما عمر الاسلام في بعض مناطق شرق افريقيا وغربها يبلغ عدة قرون. هذه المناطق التي يقل فيها انتشار الايدز الآن بصورة ملحوظة بالمقارنة مع مناطق افريقية اخرى. وتبقى الحقيقة الاكبر وهي ان في المجتمعات الاسلامية قدرا عاما من الاستعفاف الجنسي مما يعطل مسار انتشار ذلك الوباء القاتل. ويبقى السؤال الحرج: لماذا لا تبدل المؤسسات الغربية استراتيجيتها في مكافحة انتشار الايدز بأن تقول للناس ببساطة: تفادوا الزنا. في الحلقة السابقة أوردت ما جاء على لسان وزير الشئون الصحية في الفاتيكان كبير الاساقفة خافيير باراخان حيث قال: (الاستعفاف الجنسي بتجنب ممارسة الزنا لا يزال الحل الامثل ولو ان ذلك يعني السير عكس التيار في مجتمع غربي كمجتمع اليوم). (السير عكس التيار): هذه هي المعضلة الحقيقية التي تتحاشى مواجهتها حتى مؤسسة الكنيسة فلماذا؟ اولا (الحرية الشخصية) في المجتمع الغربي صارت من التقديس بحيث انها كادت تكون عقيدة (دينية) قائمة بذاتها سوف يتعرض كل من يتصدى لانتقادها بأي مبرر لعداء شرس من المجتمع بأسره. ثانيا: الاباحية الجنسية التي هي نتاج الحرية الشخصية هي المرتكز الاساسي لقطاع من اهم قطاعات النظام الرأسمالي الغربي.. ويتمثل هذا القطاع في صناعة التسلية.. وهو قطاع عملاق ومتمدد تتفرع عنه صناعات الحياة الليلية والخمر والانتاج التلفزيوني والسينمائي والشبكات غير الاخلاقية وصناعة الازياء وصناعة الاعلان التجاري.. وكلها تعتمد على انتشار الممارسة الجنسية بشكل او بآخر. والسؤال الذي رسمت عليه الاستراتيجية الغربية العالمية لمكافحة الايدز بالتالي هو: كيف يمكن استنباط وسيلة للجنس (المأمون).