يتطلع البحرينيون الى يوم السادس عشر من ديسمبر الحالي ليصغوا الى خطاب الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة امير البحرين الذي سيحدد فيه الملامح الواضحة للتطور السياسي في الجزيرة, والذي اكد في خطاباته السابقة, منذ توليه سدة الحكم في السادس من شهر مارس عام 1999 اثر وفاة والده, على اهمية التطوير الشامل في الواقع البحريني. لقد خلقت الخطابات الاميرية طوال الفترة الماضية حالة متواصلة من الحوار والجدل بين الناس, واثيرت تكهنات كثيرة عن فحوى التطور الذي يرمي اليه امير البحرين في هذه الخطابات والتي عادة ما يختمها بقول مشهور للشاعر التركي المعروف ناظم حكمت: (ان اجمل الايام تلك التي لم نعشها بعد). الا ان ما ميز الفترة الاخيرة هو اعلان سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة عن تشكيل (اللجنة الوطنية العليا للميثاق الوطني) وذلك في الثالث والعشرين من شهر نوفمبر الماضي من خلال امر اميري اكد على الايمان (بتعزيز العمل الوطني والديمقراطي ودفع مسيرة التطور السياسي الى الامام بما يحقق النمو والازدهار لمجتمعنا البحريني) حسب الامر الاميري الذي لفت الى الرغبة في (قيام مرجعية لتنظيم المؤسسات الدستورية في الدولة). وجاء في الامر ايضا بأن مهمة اللجنة الوطنية العليا للميثاق هي اعداد ميثاق العمل الوطني لتحديد الاطار العام للتوجهات المستقبلية للدولة في مجالات العمل الوطني (ودور مؤسسات الدولة وسلطاتها الدستورية في هذا الشأن), واشار الامر الى امكانية ان تستهدي اللجنة في مهمتها (بتجارب الدول الاخرى التي تتشابه ظروفها الدستورية والسياسية مع ظروف دولة البحرين). وقد تشكلت اللجنة الوطنية العليا للميثاق الوطني من ستة واربعين عضوا برئاسة وزير العدل والشئون الاسلامية الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة. وتضم اللجنة في عضويتها اربعة وزراء واثنين من مستشاري امير البحرين وثلاثة عشر عضوا من مجلس الشورى بينهم رئيس المجلس ابراهيم حميدان, وموظفون عامون وبعض الشخصيات المهمة بالشأن العام بينهم خمس نساء. وقبل تشكيل لجنة الميثاق استقبل الامير ممثلي فئات اجتماعية واسعة بدأها بأعضاء مجلس الشورى ثم قيادات وأعضاء في غرفة تجارة وصناعة البحرين, وممثلي جمعيات النفع العام والجمعيات المهنية, والكتاب والصحفيين, ورجال الدين. وكانت الاخبار التي رشحت من كل الاجتماعات هذه تؤكد على نقطة رئيسية واحدة هي: التغيير, والذي ستظهر ملامحه بوضوح اكبر في السادس عشر من ديسمبر الحالي الذي يصادف العيد الوطن للدولة. فما هي السمات الرئيسية التي ستسير عليها البحرين بعد العيد الوطني؟ اولى الخطوات العملية التي برزت على السطح هي وثيقة (مشروع ميثاق العمل الوطني بدولة البحرين). التي وزعت على اعضاء لجنة الميثاق يوم الثالث من ديسمبر الجاري. وجاءت لتزيد الجدل السياسي في الشارع البحريني خاصة بعد ان نشرت الصحف المحلية العناوين الاساسية التي تحتوي عليها الوثيقة. تتكون وثيقة مشروع ميثاق العمل الوطني من سبعة وثلاثين صفحة ومحتوياتها: ديباجة اعلان الميثاق, شخصية البحرين: حضارة ومملكة ونهضة, وبعدها ستة فصول تتناول المقومات الاساسية للمجتمع, الاسس الاقتصادية للمجتمع, نظام الحكم, الحياة النيابية, العلاقات الخليجية والعلاقات الخارجية. وقد وضحت الديباجة ان هناك مؤتمرا شعبيا سينعقد في البحرين بتاريخ 23 ديسمبر الجاري لاقرار الميثاق الوطني الذي سيصدر عن لجنة الميثاق, والذي بدوره سوف يدفع الميثاق الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة امير البحرين لينفذ (ما يراه ملائما منه في كل مرحلة من مراحل المسيرة الوطنية, وفي الوقت الذي يرتأيه مناسبا لمصلحة البلاد) حسبما جاء في الديباجة بمقدمة الميثاق والتي اسست الى مفهوم طغى على صفحات الميثاق يتمحور حول تغيير نظام الحكم في البحرين من نظام (الامارة) الى نظام (المملكة). وقبيل الجلسة الاولى للجنة الميثاق ازدادت حرارة الجدل, القائم اصلا, في الشارع البحريني, فلا صوت يعلو على موضوعة الميثاق ومسودته. جدل بلغ حدا لم يصل اليه موضوع آخر من قبل, اذ استثمرت حالة الانفراج المواكبة للحديث عن التغيير في اطلاق العنان للتحليلات والتكهنات التي لا تخلو من اشاعات ترمى في الشارع للتعرف على ردود فعل الناس عليها. الا ان العودة لوثيقة مشروع الميثاق الوطني البحريني عبر قراءة اولى لمحتوياتها تبدو الآن مسألة مهمة. فتحت عنوان شخصية البحرين: حضارة ومملكة ونهضة, والذي اخذ من الوثيقة احدى عشرة صفحة, ركز المشروع على مفردة (مملكة) بدأها من (مملكة دلمون) مرورا بالعصر الاسلامي الاول, حيث تمت الاشارة الى (ملك البحرين) الذي كان من (بين ملوك العالم المتحضر الذين خاطبهم النبي الكريم) , وقد دخلت البحرين (ملكا وشعبا بحكم فطرتها السليمة في دين الله طوعا واقتناعا), حتى دخول آل خليفة البحرين من خلال احمد الفاتح قبل نحو مئتين وعشرين عاما. وبموازاة الحديث عن (المملكة), كان الحديث مكثفا ايضا عن مسألة (ادخال بعض الاصلاحات الدستورية التي تكفل تطوير الاداء السياسي للمجتمع البحريني). حسب ما جاء في الوثيقة التي اشارت في موقع آخر الى ضرورة (ادخال تحديث في دستور البلاد). لقد كان الدستور, بالتعديلات المقترحة في الوثيقة حاضرا في كل مفاصل المشروع, الا ان المواد المقترحة للتغيير او التحديث تتعلق بالسلطة التشريعية فقد جاء في دستور البحرين الذي اقره المجلس التأسيسي عام 1973, وصادق عليه الامير الراحل بأن المجلس الوطني (البرلمان) هو المختص الوحيد بمسألة التشريع وفق آلية موضحة في مواد خاصة في الفصل الثاني. والتصور الذي جاءت به مسودة الميثاق يقترح التشريع من جهتين الاول مجلس النواب المنتخب مباشرة من الشعب والثاني مجلس الشورى. ولكن الاقتراح لم يوضح الآلية التي سوف يتم بها التشريع بخلاف الدستور الاصل. اي ان الاقتراح يؤكد على وجود غرفتين لمسألة التشريع. وهذا امر يحتاج الى تعديل الدستور الحالي الذي وضع آلية لعملية اي تعديل دستوري تتمثل في موافقة ثلثي اعضاء المجلس الوطني (البرلمان) على هذا التعديل بيد ان المجلس الوطني لم يعد قائما منذ ربع قرن (اغسطس 1975), وبالتالي فإن الجدل يتمركز حول كيفية تعديل دستور دولة البحرين ان من ناحية التشريع والذي تعتبره اكثرية الفئات الاجتماعية (بيضة القبان) او من ناحية التسمية الجديدة للجزيرة. ويبدو ان الوقت ليس في صالح مناقشة مستفيضة لما جاء في مشروع الميثاق الوطني, ذلك ان المطلوب من هذه اللجنة انجاز كل شيء قبل السادس عشر من ديسمبر الحالي اي فترة لا تزيد على الاسبوعين, بينما يحتوي الميثاق على موضوعات بحاجة الى مناقشات وحوارات طويلة اذا كان يراد لها تأسيس وضع جديد للبحرين.