جاء الكشف المدوي عن قضية التجسس التي أذيعت مؤخرا وثبت فيها أن مخابرات الموساد الصهيونية جندت عميلا مصريا لاختراق حواجز الأمن القومي في مصر جاء هذا الكشف لكي يؤكد من جديد قاعدة يعرفها تماما محترفو ، الاستخبارات في العالم وهي: أن معاهدات السلام.. أو اتفاقيات الصداقة.. أو أنخاب المودة التي تعلنها الدول على رؤوس الأشهاد لا تشكل مانعا في أي لحظة يحول دون أن يعمد الأصدقاء الى التجسس على بعضهم البعض.. ذلك لأن مؤسسات الاستخبارات تعمل بداهة وفق القاعدة التي بات يعرفها كافة المشتغلين بالشأن العام وهي: أن ليست في السياسة (وفي علاقات الدول) صداقات ولا عداوات دائمة وإنما في السياسة مصالح دائمة. طبعا فيما يتعلق بالتجسس الصهيوني على مصر يتسم الأمر بمزيد من الخصوصية باعتبار أن الصراع العربي الصهيوني قضية ما زالت مشتعلة وممزقة ولم تجد حلا لها يقوم على أساس من العدل قبل السلم المنشود.. وباعتبار أن معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية يراها الناس وثيقة حكومية يلتزم بها النظام الرسمي في اطار نهوضه بمسئولياته بموجب قوانين المعاهدات والمواثيق الدولية المودعة في الأمم المتحدة ولكنها لا تلزم الناس الشعب فيما يعرف باسم عملية التطبيع مع الطرف الاسرائيلي الذي مازال هؤلاء الناس وليس غيرهم يرون فيه عدوا مقيتا وخصما لدودا, وخطرا جسيما ومتربصا في كل حال, ثم باعتبار أن مصر ما زالت تشكل رأس الحربة العربية بحكم حجمها وتبعاتها على مستوى النظام الاقليمي العربي. جاسوسية الأصدقاء مع هذا كله.. فالأصدقاء المتحالفون, الذين لا توجد بينهم ثارات تاريخية مثل الاغتصاب الصهيوني لفلسطين هؤلاء الأصدقاء لا يتورعون كما أثبتت الأحداث عن التجسس على بعضهم البعض.. هل تتصور علاقة حميمة. بل رابطة عضوية أشبه كما قد نصفها بالحبل السري بين اسرائيل وأمريكا؟ إن في السجون الأمريكية كما هو معروف للقاصي والداني جاسوسا اسمه (بولارد) جندته استخبارات الموساد لحسابها وتدل الوثائق والمعلومات الأمريكية التي أذيعت وتسنى متابعتها على أرضها وفي جنبها على أن بولارد هذا أصاب المنظومة العسكرية الدفاعية الأمريكية بأضرار جسيمة بلغت حد التدمير.. وكم تابع الكثيرون جهود رؤساء وزراء اسرائيل, في زياراتهم العديدة للعاصمة واشنطن واجتماعاتهم الحميمة أو التي بدت كذلك الى أركان البيت الرئاسي الأبيض وكان لهم مطلب أساسي ظلوا على عادة اليهود في الجدال واللجاج يكررونه على مسامع مضيفهم الأمريكان وهو الافراج عن (بولارد) رجلهم في أمريكا.. ولم يلقوا في ذلك آذانا صاغية من ناحية, ولا كفوا أو كفت جماعات الضغط اليهودية الصهيونية الاسرائيلية عن تكرار الطلب إياه الحاحا والحافا من ناحية ثانية. لا هم خجلوا من ناحية ثالثة من حقيقة أن يأخذوا من أمريكا رشاشات السلاح وشيكات المعونات ووقفات التأييد على طول الخط الأعمى والمغرض في بعض الأحيان.. وهم الاسرائيليون يفعلون ذلك ثم لا يتورعون عن أن يسرقوا السمع ويختلسوا البصر فيتجسسوا على نفس المورد الأمريكي الذي ظل يمدهم بالسلاح والمعونة والتأييد على مدى 55 عاما من عمر القرن العشرين. جاسوس ياباني اصطناعي يصدق نفس المقياس ــ ولو بدرجة أقل أو بصورة أخف عندما اكتشفت هيئة مكافحة التجسس في ألمانيا محاولة بذلتها مخابرات السي آي ايه لتجنيد أحد كبار مسئولي الحكومة الألمانية لصالح الصديق الأمريكي الطرف مع المانيا في محالفة شمال الأطلسي (الناتو) كان ذلك عام 1998. ولم يكذب الأصدقاء المانيا خبرا بل أعلنوا في عام 1999 عن طرد ثلاثة من ضباط المخابرات المركزية الأمريكية كانوا مقيمون على أرض ألمانيا لممارسة التجسس على الدوائر والمواقع الاستراتيجية الألمانية. وفي بداية عام 1999 اعترى التوتر الشديد العلاقات بين واشنطن وطوكيو لأن الأمريكيين اعترضوا وقتها على جهود اليابان الدؤوبة وهي ما زالت مستمرة من أجل تطوير قمر اصطناعي ياباني تخصصة طوكيو لأغراضها التجسسية تعزيزا لقدرات اليابان الاستخبارية بطبيعة الحال ومن البديهي أن يعترض الأمريكيون على مثل هذه القفزات اليابانية في مجال الجاسوسية.. وهم يدركون أنهم أول ضحايا أو أول المستهدفين بالجاسوس الاصطناعي الياباني الذي سيطل عليهم من الفضاء الخارجي فاليابان لن تنفق ملياراتها ولا تحشد كوادر علمائها لكي تتجسس مثلا على جزر القمر بل لكي تحاول النفاذ الى أسرار منافسيها في مجال الصناعة, وتكنولوجيا الالكترونيات المتقدمة وعلى رأسها تكنولوجيا الحواسيب.. ويأتي في طليعة هذه الأهداف الولايات المتحدة الأمريكية. احتجاج في البرلمان وفي أوائل عام 2000 الحالي وقف عضو فرنسي بارز في البرلمان الأوروبي ليعلن استياءه واستنكاره للشبكة التي نراها من جانبنا العربي أمرا بالغ الخطورة وتحمل اسم (إيشيلون) وتضم كلا من أمريكا وانجلترا وكندا واستراليا ونيوزيلندا ووصف النائب الفرنسي هذه الشبكة في عبارة غريبة قال فيها: إنها مؤامرة أنجلو ساكسونية بروتستانتية فأما أنها أنجلو ساكسونية فهذا أمر بديهي مفهوم باعتبار أن هذه الشبكة متعددة الجنسيات تضم دولا ناطقة بالانجليزية ولكن المثير للاستغراب وللتأمل أيضا أن يبرز البرلماني الفرنسي موضوع الانتماء أو الانقسام المذهبي الطائفي حين يتكلم بوصفه كاثوليكيا عن مؤامرة يصفها بأنها بروتستانتية. وأيا كان الأمر فقد ظل أمر هذه الشبكة التجسسية العالمية أو هي الكوكبية (جلوبال) مستترا أو كامنا دون أضواء الى أن كشف هذا الأمر صحفي نيوزيلندي وأصدر عن (إيشيلون) تقريرا صحافيا أوضح فيه أن هذه الشبكة تقودها أمريكا وأنها تستقبل في داخلها جميع ــ نقول جميع ــ ما يصدر على مستوى الكرة الأرضية من رسائل واتصالات سواء بالهاتف أو بالفاكس أو بالتلكس أو على شبكة الانترنت وتتولى تجميعها وتحليل ما تود تحليله من عناصر هذه الاتصالات ومن ثم تؤدي دور المصدر الكوكبي لما يدور حول كرة الأرض من اتصالات (يمكن في هذا السياق الرجوع الى كتاب مهم صدر في كندا عام 1999 بعنوان نهاية الخصوصية). وبرغم نجاعة مثل هذا النوع من التعاون في مجال التجسس ودنيا المخابرات, إلا أن الأستاذ لوش جونسون, أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجيا بالولايات المتحدة, يلمح في دراسته التي نشرتها مجلة فورين يوليسي السياسية الخارجية, عدد أكتوبر 2000 الى أن مسئولي وكالات المخابرات لا يتحمسون كثيرا لحكاية التعاون هذه أو على الأقل قد يتحمسون لنوع محدود ومحدد ومنضبط من أشكال التعاون دون أن يفتحوا أمره على البحري كما يقولون في المثل الدارج. والبروفيسور جونسون يسوق في هذا المضمار نموذج الاتحاد الأروبي الذي يضم دو لا اتفقت على السير على طريق قضية في نهاية المطاف الى كيان سياسي واحد.. ومع ذلك فقد أعرب اختصاصيو التجسس في تلك الدول أن ميزات التعاون محدودة وأنهم لا يحبذونه كثيرا هذا برغم ما طرأ على ميزانياتهم من انخفاض وما طرأ في الوقت نفسه من انفجار في مجال المعلومات المطلوب جمعها وتحليلها وتقدير الموقف على أساسها, ثم برغم ازدياد وتعميق رقعة التكامل بين الدول الغرب أوروبية التي ينتمون اليها. من ناحية أخرى فقد أدركوا أهمية التعاون الاستخباراتي في اثنين من مجالات المعلومات على وجه الخصوص وهما: مكافحة الارهاب. مكافحة الاتجار بالمخدرات. الجريمة عبر الوطنية بل أن الولايات المتحدة نفسها دخلت شريكا في هذا المجال من التعاون مع أقطار غرب أوروبا باعتبار أن الارهاب والمخدرات أصبحا من أمور الجرائم عابرة الحدود أو أصبحا يشكلان جانبين أساسيين من جوانب (الجريمة عبر الوطنية) كما يقول مصطلح محدث ومستخدم في هذا المجال ويذهب صاحب الدراسة التي أحلنا اليها آنفا ان توحيد أجهزة الاستخبارات ووكالات التجسس حتى بين دول تسعى للتكامل سيظل أمرا بعيد المنال حفاظا على مبدأ سرية المعلومات من جهة, وإعمالا لمبدأ سيادة الدول من جهة أخرى. وفي هذا يقول الأستاذ جونسون: بغير أن يتوصل العالم الى حل (فسخ أو تفكيك) النظام الدولي الراهن الذي يقوم على أساس وجود الدولة القومية وبغير أن يتم بالتالي اقامة نظام الحكومة العالمية, فلسوف تظل عمليات المشاركة في الاستخبارات مقيدة الى حد كبير وملموس باختلاف المصالح والسياسات فيما بين الدول, وتظل أيضا واقعة تحت طائلة الخشية من العملاء المزدوجي الولاء.. أو الخونة اللاعبين على كل الحبال داخل كيان هذا الحليف أو ذاك.. فيما تظل كذلك الحكومة بدواعي الحفاظ على السرية وضوابطها. مجال الجاسوسية الثالث مع ذلك فثمة مجال مهم ثالث يستوجب الاهتمام الى جانب قضايا التسلح والارهاب والمخدرات.. وهذا هو مجال: جاسوسية المعلومات الاقتصادية (التجسس الاقتصادي). وهو مجال له أهميته بالنسبة لنا أيضا على صعيد الوطن العربي والعالم الثالث. ورغم أن الجاسوسية الاقتصادية ظلت معروفة ومحتدمة في ضوء ضراوة المنافسة التي اندلعت ولا تزال مندلعة بين كبار المنتجين والصانعين في العالم للفوز بأسواق التصدير إلا أنها ما برحت تقل في سلم الأولويات أو في بنود الأجندة العالمية المطروحة عن قضايا ما زالت هي الأهم: قضايا انتشار الأسلحة وخاصة المسببة للتدمير الشامل وانتشار المخدرات وهي بدورها من عوامل التدمير الشاملة في ضوء عوامل شتى في مقدمتها الدمار الصحي والخراب الاخلاقي والقيمي. والأمر هنا لا يتصل أساسا بحكاية الأخلاق بصورة معنوية أو مجردة فنحن نطرح الأمر من منطلق السياسات والاستراتيجيات التي لا تتوقف كثيرا عند هذا النوع من الوعظ الاخلاقي أو التجريد.. إن تدمير الصحة بفعل المخدرات معناه تدمير صحة الشباب الناضجين وهم عماد وقوة العمل (وورك فوس مان باور) في أي نظام اقتصادي.. وهو يقتضي بالتالي اعتمادات طائلة في مجال العلاج البدني والنفساني والتأهيلي وفي مجال مبالغ التأمينات الصحية بما تنوء به الموارد التمويلية لأي دولة.. التدمير الذي وصفناه بأنه يلحق سلم الاخلاقيات أو منظومة القيم يتصل في المجتمع المعاصر بذيوع سلوكيات الانحراف وانتشار سلوكيات الجريمة وهو بدوره أمر باهظ التكاليف من حيث الاعتمادات المالية المطلوبة للمنشآت العقابية من سجون ومعازل واصلاحيات ولمؤسسات الشرطة والرقابة والتحقيق والقضاء. كل هذا ناهيك عن الجانب المادي والمالي البحت جانب تدمير المنظومة المصرفية التي تصاب في هذه الحالة بفيروس وبيل ناجم عن أرباح المخدرات اسمه غسل الأموال وهو ما ينجم عنه خلل فادح الأثر في توازن الدورة الاقتصادية. رشوة في البرازيل مع هذا كله, فقد شهدت السنوات الأخيرة اهتماما أوسع واعتمادات أكثر لصالح الجاسوسية الاقتصادية. ففي الولايات المتحدة مثلا ارتفع الاعتماد المالي لجمع المعلومات الاقتصادية عن طريق التجسس ومن ثم تحليل هذه المعلومات من 10 في المائة بل أقل ليصبح 40 في المائة في الفترة التي أعقبت الحرب الباردة مباشرة أي منذ أوائل عقد التسعينيات.. ويلفت النظر في اطار هذه الزيادة ما خصص منها لأغراض رصد ومراقبة الممارسات التجارية المجحفة المتحيزة أو غير النزيهة ومن ذلك مثلا أساليب الاغراق بالسلع أو عدم التقيد بالحصص (الكوتات) المتفق عليها ومن أبرز أمثلة هذه الممارسات تلك المعلومات التي حصلت عليها المخابرات (الاقتصادية) الأمريكية وتفيد بأن الفرنسيين حاولوا رشوة مسئولين برازيليين لاتمام صفقة بمبلغ 4.1 مليار دولار (بالأسعار عام 1994) لصالح شركة الاتصالات الفرنسية طومسون. وعندما تم تحليل المعلومات وابلاغ كبار المسئولين الأمريكيين بالرشوة, سارعت واشنطن الى الاتصال مع حكومة البرازيل مبدية شديد الاعتراض على هذه السلوكيات التي وصفتها بعدم النزاهة والتحيز وافساد روح المنافسة الشريفة بين العطاءات والعروض التي تطرحها الشركات الدولية وقد انتهى الأمر بأن قبلت البرازيل عرضا في هذا الخصوص وأبرمت من أجله اتفاقا مع شركة (راي ثيون) وهي بالمناسبة شركة أمريكية. وأيا كان الحكم الأخير على مثل هذه العمليات وعلى نصيبها من التحيز أو الأمانة عند الجانب الفرنسي أو الأمريكي, فإن الذي يهمنا في هذا السياق أن نلفت الأنظار الى الأهمية المتزايدة التي أصبحت تتسم بها الجاسوسية الاقتصادية في تحقيق المصالح القومية العليا لهذه الدولة أو تلك. كاتب سياسي من مصر