يبدو لي ان اتخاذ الانتخابات الامريكية هذا المنحى, اي النزاع القانوني والجدل السياسي, قد اضاع على الكثيرين متعة الظفر بالنتائج, بعد طول ترقب وانتظار. وربما اضاع على الحكومات العربية اكثر مما اضاع على مواطنيها, وهي التي كانت قد بدأت تعد نفسها باحتمالاتها وسيناريوهاتها المختلفة لاستقبال احد الخيارين, بوش الابن او آل جور. لكنه بالمقابل عوضها عن جزء من ذلك, حين وضعت هذه الانتخابات في موضع يمكن فيه مقارنتها ولو شكليا بالانتخابات العربية, التي يستميت الفرقاء فيها للبقاء في الحلبة, رغم انف الناس وأنف صناديق الاقتراع. هناك في العالم العربي من يسره ان يأتي الجمهوريون وجورج بوش الابن للبيت الابيض لانه في اعتقادهم الاكثر تحررا من الهيمنة الاسرائيلية والاكثر تفهما للعرب, سيما ان من بين طاقمه شخصيات لها علاقاتها الوثيقة بالحكومات العربية وخبرتها السابقة في التعامل مع اوضاع المنطقة امثال ديك تشيني وزير الدفاع الاسبق, وسيما ايضا ان بوش يمثل مصالح الاحتكارات النفطية الامريكية, ذات المصالح العتيدة في المنطقة العربية وايضا الباع الطويل في التعامل مع اوضاع العرب وشئونهم. وعليه يصح ان يقال بأن معسكر الجمهوريين هو الاقرب الى نفوس وافئدة الكثير من الحكومات العربية, ومجيئه للحكم سوف يعيد جزءا كبيرا من العوائد والصلات القديمة بين هذه الحكومات والادارة الامريكية الى سابق عهدها. وهناك في العالم العربي من يود ان يفوز آل جور ومعسكره الديمقراطي في الانتخابات فالديمقراطيون وعلى الرغم من صلاتهم القوية مع اسرائيل غير انهم اقل ارتباطا بالحكومات العربية, لضعف خبرتهم ومعرفتهم بالمنطقة, ومن ثم اقدر على نقد اوضاعها دون حرج كبير. والديمقراطيون عوضا عن ذلك يحظون بتأييد الاقليات داخل الولايات المتحدة ومن بينها نسبة كبيرة من العرب والمسلمين هناك, فهم بإرثهم الليبرالي والتحرري, الذي لم تلوثه النزعات اليمينية والعنصرية يستقطبون عادة اصوات هذه الاقليات بالاضافة للنساء وان تكون الانتخابات الرئاسية الحالية, هي اقرب الى اللون الواحد, لجهة الفروقات في الطرح والبرامج, منها الى اللونين الاحمر والازرق وما بينهما من فروق شاسعة ونعرف جميعا ان ما يهم الولايات المتحدة في الاخير هو مصالحها, وهي تكيف سياساتها, كما استراتيجياتها وفق هذه المصالح لا وفق شيء آخر, والولايات المتحدة ليست استثناء عن باقي الدول في ذلك مثلما ان الامريكيين لا يختلفون عن غيرهم من البشر في تغليب مصالحهم. الواقع ان جميع الناس يتصرفون على النحو ذاته, وكذلك الدول فهذه طبيعة النفس البشرية. لكن المسألة اظهر بالنسبة للولايات المتحدة لسبب بسيط وهو انها اليوم اقوى دولة في العالم, اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ولديها وجود في جميع البلدان تقريبا سواء على هيئة وجود دبلوماسي او سياسي او اقتصادي او ثقافي او اعلامي او اجتماعي... الخ. ومن الطبيعي ان الاخطاء الامريكية تبدو اوضح وأبرز من اخطاء غيرها لهذا السبب بالذات. فسياسة الكيل بمكيالين التي تهتم فيها الولايات المتحدة فيما يخص اسرائيل مثلا, هي تهمة محقة, ولكن من من الدول لا يمارس سياسة الكيل بمكيالين؟ فطالما الدول (ومثلها البشر) تتبع مصالحها او ما تعتقد انه مصالحها فإنها ستفضل بالضرورة الجهة التي تؤمن لها هذه المصالح, او على الاقل لا تضرها او تعارضها, وستبذل كل غال ورخيص من اجل حمايتها والدفاع عنها. وبالمقابل ستفعل العكس مع الدول التي تضر بمصلحتها فتحاربها وتسعى لاضعافها وتقويضها وهكذا. ونحن كعرب ومسلمين لا نختلف عن غيرنا من البشر في ذلك فنحن ايضا يمكن ان نكيل بمكيالين او بعشرة مكاييل احيانا, فندعم دولة دون اخرى في نزاع بينهما او نؤيد انفصالا في منطقة ونصفه بحرب استقلال واصحابه بالثوار والمجاهدين بينما ندين انفصالا في مكان آخر, ونسمي المطالبين به بالمتمردين... الخ. ان طبيعة البشر واحدة لا تتغير سواء كانوا امريكيين او عرب او غير ذلك, وكذلك طبيعة الدول فالكل يجر النار الى قرصه ولو كره الاخرون. من هنا فالقول ان الولايات المتحدة تتبع مصالحها, بالدرجة الاولى في التعامل مع الدول الاخرى, ولا فرق في ذلك بين جمهوري او ديمقراطي هو قول صحيح تماما يصل الى درجة تحصيل الحصال, لكن ما لا يقل صحة عنه ايضا ان تحقيق هذه المصالح لا يمر دائما عبر طريق واحد وثابت وان اساليب تحقيق المصلحة قد تؤدي الى نتائج متباينة كما هو الحال في مسائل الحرب والدبلوماسية فكلاهما اسلوب لتحقيق المصلحة لكن النتائج المترتبة على كل منهما تختلف الى حد كبير. لذلك فإن تعويل بعض الحكومات العربية على الجمهوريين ربما كان له ما يبرره مثلما ان تعويل بعض العرب على الديمقراطيين هو الآخر له ما يبرره مع الاتفاق على ان المصالح وليس شيئا آخر هو الدافع المحرك للسياسة الامريكية ولكل سياسة اخرى على وجه الارض. غير ان الطريق الذي سلكته الانتخابات الامريكية لتحديد من هو الفائز, قد اصاب الجميع بالمرارة وأفقدهم الاحساس بطعم (الفوز) كما ابهت الانتخابات نفسها وسمح لبعض المتصيدين بمقارنتها بالانتخابات العربية.