الدستور الامريكي هو النص الذي تضمن بنوده تلك التعادلية المطلوبة لتواصل الحياة السياسية والادارية والقضائية في الولايات المتحدة الامريكية. وهو المرجع الاساسي لكل اشكالية تطرأ هنا وهناك... وما اكثرها على مر قرنين من عمر المؤسسات الامريكية. فالدستور الامريكي هو الذي اعطى صلاحيات استثنائية للرئيس روزفلت المنتخب للمرة الثالثة بصورة استثنائية يوم 7 نوفمبر 1940 للدخول في معمعة الحرب العالمية الثانية تم تدريجيا حسم الحرب لصالح الحلفاء باستعمال القنبلة النووية لاول ــ وربما آخر مرة في تاريخ الانسانية على مدينتي: هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين. ثم ان الدستور الامريكي هو الذي قدم لامريكا رجل الحرب ــ ثم الحرب الباردة ــ الجنرال دوايت ايزنهاور الذي استقال في مارس 1952 من منصبه كقائد عام للقوات الاطلسية لخوض الانتخابات وجاء برجلين معه كان لهما تأثير حاسم على الحياة السياسية الامريكية لغاية السبعينيات وهما نائب الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير الخارجية جون فوستر دالاس الذي كان صاحب ما يسمى في علم السياسة (عقيدة فوستر دالاس) وهي تلك المسماة بالاحتواء Containment اي احتواء المد الشيوعي بدعم زعماء عسكريين في العالم الثالث يوثقون ايدي شعوبهم. والدستور الامريكي هو الذي سمح لنفس الرئيس ايزنهاور باخذ موقف من العدوان الثلاثي على مصر 29ــ 30 اكتوبر 1956 حين اتفقت فرنسا وبريطانيا واسرائيل على مهاجمة مصر انتقاما من الرئيس الراحل المرحوم جمال عبدالناصر على تأميمه قناة السويس حيث ان الدستور الامريكي يحدد السياسة الخارجية الامريكية في خطوطها الرئيسة عندما يتعلق بموقف ازاء حلفاء مثل فرنسا وبريطانيا اللتين, تصرفتا دون استشارة واشنطن وكاد العدوان الثلاثي ان يؤدي الى صدام بين الاتحاد السوفييتي وحلف شمال الاطلسي. والدستور الامريكي هو نفسه الذي تعامل مع ازمة كوبا حين هددت واشنطن في حصارها لكوبا باشعال فتيل حرب نووية حيث اوضح الدستور حدود صلاحيات الرئيس جون في كيندي ومدى نفاذ الرأي الذي ينتهي اليه قادة الاركان وكذلك مدى فاعلية القرار الذي يتخذه اعضاء الكونجرس بالأغلبية في وضع متأزم منذر بالحرب كذلك الذي عاشته امريكا في بداية حصار كوبا. وعندما حلت معضلة ووترجيت يوم 17 يونيه 1973 بدأت عجلة الدستور الامريكي تدور لتنتهي بسحق الرئيس نيكسون امام لجنة تحقيق عينها الكونجرس وايضا عندما اندلعت فضيحة مونيكا جيت منذ عامين وترنح الرئيس كلينتون تم استوى على عرش البيت الابيض ببعض الخدوش والكدمات كان ميكانزم الدستور الامريكي مزيتا جاهزا لمواجهة الموقف. ولكن.. مع تصدي القانون والدستوري الامريكي لكل هذه الازمات فإنه ظل عاجزا امام تعفن حرب فيتنام وعاجزا امام عجز امريكا في الشرق الاوسط وعاجزا امام ضيق الافق بعد حرب الخليج وعاجزا منذ اندلاع ثورة تحرير فلسطين التي بدأت منذ 28 سبتمبر 2000 وفتح الشعب الامريكي عيونه كل يوم على الاطفال الشهداء وعلى سقوط الخرافة الاسرائيلية في مستنقع العنف الصهيوني الاعمى ظلت الآلية الدستورية الامريكية معطلة. ونصل الى ازمة الدستور الراهنة حيث وضعت الاحداث وملابساتها بنود الدستور في موقف صعب بل في محنة تحدث لأول مرة في تاريخ الانتخابات الامريكية ولهذه المحنة وجهان: الاول تساوي نصاب المرشحين: بوش وآل جور بصورة لم تسجلها الانتخابات الامريكية خلال بلوغ اثنين واربعين رئيسا عتبة المكتب البيضاوي على الاطلاق: بضعة مئات من الاصوات تفصل فيما يبدو بين الرجلين مع ترافق هذا التساوي من محاذير وعد واعادة عد. والوجه الثاني هو بالطبع تدخل اللوبيات المعروفة التقليدية والمستحدثة على تغيير قواعد اللعبة فاللوبي اليهودي كان حاضرا منذ اختيار نائب الرئيس الديمقراطي ليبرمان ولوبي شركات النفط كان وراء اسرة بوش الاب والابن ولوبي الصناعة الحربية هو الذي تربى في احضانه آل جور ولوبي النقابات القومية كان يحرك دابليو بوش منذ ان كان حاكما لتكساس. وحتى كتابة هذا المقال فإن المحكمة العليا الفيدرالية لم تحسم الامر لصالح احد المرشحين وقد شبهت صحيفة (يو اس اي توادي في عددها الاحد الماضي) جلسات المحكمة بمسلسل محاكمة اوجي سمبسون المتهم بقتل زوجته والمنقولة على الهواء مباشرة. فقد تحولت المشاهد الانتخابية الى مسلسل مشوق وكاد يكون مقلقا لو طال اكثر من موعد 12/12/2000. لكن الخلاصة هي ان القانون الدستوري الامريكي يحتاج الى اعادة نظر على ضوء المتغيرات الامريكية والعالمية حتى لا تتكرر هذه الازمة في المستقبل وتصبح مهددة للتوازنات التي صنعت الديمقراطية الامريكية والقوة الامريكية بل وكرست انفرادها بالتفوق الاقتصادي والعسكري والاستراتيجي في عالم مهدد بالتبعية والقهر والذوبان فالقانون الدستوري الامريكي اذا عجز عن حل هذه الازمة الانتخابية سيصبح هو الآخر اداة في ايد خفية ايدي الماسكين الحقيقيين بالسلطة الذين لا يجلسون على كراسي في الكونجرس ولا في البيت الابيض, بل يحتلون مكاتب الشركات العملاقة في ناطحات سحاب في منهاتن.. وقد سماهم احد المفكرين الامريكان ــ ناعوم شومسكي ــ (حكومة الاشباح الجديدة).