ما حقيقة الحادث الرهيب الذي وقع في مغاغة بصعيد مصر؟ وهل هو حادث إرهابي؟ أم هو حادث سطو عادي؟ بالرغم من الجرأة والجسارة التي أبداها المهاجمون, وهي صفات لا يتمتع بها اللصوص وقطاع الطريق. ولكن من قال أن كل اللصوص جبناء؟ وهل نسينا عصابة الخط وعصابة الأعمى وغيرها من العصابات التي روعت وأفزعت جميع المصريين فترة طويلة من الزمان. ولكن الأكيد أن الحادث الذي وقع في الصعيد سواء كان سطوا أو ارهابا, فهو حادث خطير كشف عن وجود ثقوب واسعة في جهاز الأمن. فمن اهتمام السيد مدير الأمن بفرض احترام الرعية لرتبته الكبيرة, وبضرورة نزول الجماهير عند رغبات سعادة مدير الأمن ونزواته أيضا, وتأكيده على أنه رجل حنبلي لا يسمح لمخلوق خصوصا من الرعية باختراق موكبه أو اعتراضه, حتى ولو كان من رجال الهيئة القضائية أو من وكلاء النيابة أو من رجال الإدارة, باعتبار أن سعادة البيه اللواء مدير الأمن هو ظل الله على الأرض. وإذا كان هذا هو تصرف البيه مدير الأمن, فلابد أن يكون العساكر في منتهي الكسل وأن يكون صغار الضباط في منتهى الوخم, وأن يكون الجهاز كله في أشد الحاجة إلى تعيين مسحراتي لايقاظ النائمين وتنبيه الغافلين. صحيح أنه لا يوجد نظام أمني واحد على ظهر الأرض, تحت الوحدة اللي ما يغلبها غلاب بين جهاز الـ (ك جي بي) الروسي والمباحث الفيدرالية الأمريكية وسكوتلاند يارد البريطانية, ولكن الأمر الممكن هو مواجهتها لحظة وقوعها وسرعة الكشف عن الجناه بعد وقوعها, وهو الأمر الذي لم يتحقق في حادث السطو على بنك الصعيد. ولقد كان من رأي العبد لله دائما أن الوزير حبيب العادلي قيادة أمنية ممتازة, وأنه يتفوق على بعض الذين سبقوه من وزراء الداخلية, فهو ليس مجرد وزير همبكة كما النبوي اسماعيل, وهو ليست مجرد مدير لادارة المرور في القاهرة كما أحمد رشدي, كما أنه شديد الدقة في اختيار أغلبية معاونيه بعكس حسن الألفي, كما أنه ليست شتاما وليس مزورا كما زكي بدر. وصحيح أيضا أنه ليست له خبرة وتجربة حسن أبو باشا, كما أنه لا يتمتع بشعبية عبد الحليم موسى. ومع ذلك فالانصاف يدعونا إلى الاعتراف بأنه لديه حسا أمنيا عاليا, كما أنه على درجة رفيعة من الانضباط وهي صفات تجعل منه قيادة أمنية ممتازة بدون أي شك. ومن حسن حظ حبيب العادلي أن قيادات كثيرة من التيار المتطرف وقعت في قبضة الأمن في عهده, كما لزمت التنظيمات الارهابية شقوقها ولم تخرج منها بعد حادث الأقصر, مما جعل الهدوء يسود الساحة الأمنية, وجعل السطح يبدو في وداعة سطح بحيرة في يوم صيف جميل. ربما هذا الهدوء هو الذي جعل الأمن يغفو في حالة استرخاء والدنيا ربيع والجو بديع.. قفللي على كل المواضيع. وهو خطأ قاتل تقع فيه بعض الأجهزة المصرية عندما تحقق نجاحا أو تقطع خطوات ملحوظة نحو هدف ما. وأعتقد أن الحالة الأمنية ليست من هموم جهاز الأمن فقط, ولكنه أيضا من هموم الشعب كله. ولذلك من حق الجميع أن ينتفضوا غضبا أمام أي حادث أمن شنيع, وليست من حق وزارة الداخلية أن تعترض على المنتقدين أو تقطع الطريق عليهم. لأن لواءات وزارة الداخلية ليسوا أعضاء في مجلس ولا يحق لأحد الاشتغال بالفتوى في حضورهم. كما أنهم ليسوا أعضاء في المجمع اللغوي بالقاهرة وليس من حق أحد سواهم أن يبحث في لغة سيبويه بعدهم. أقول قولي هذا وأنا مطمئن إلى أنه لايمكن الوصول إلى رأي قاطع في أمر حادث مغاغة إلا بعد إنتهاء التحقيق. وفي الوقت نفسه هناك رأي أخر وهو أن الله سبحانه وتعالى عرفوه بالعقل.وهناك دلائل تؤكد أنه مجرد حادث سطو عادي. كما أن هناك دلائل أخرى تشير إلى أنه حادث إرهابي, وهو أشبه بالبروفة الجنرال تمهيدا لحوادث أكبر. وهذا الاختلاف هو جوهر الديمقراطية. الرأي والرأي الآخر الرأي والرأي المعاكس, الرأي والرأي المعارض, أما قطع الطريق على كل رأي مخالف فهو وضع لا يتفق مع الديمقراطية وقد يذهب بنا إلى طريق مسدود. مع تمنياتي القلبية لوزارة الداخلية بالوصول إلى رأي حاسم لكشف حقيقة هذا الحادث, وأرجو صادقا أن يكون حادث سطو عاديا حتى لو تمكن اللصوص من سرقة عدة ملايين, على أساس أن ما يصيب الريش.. بقشيش!