اذا كنا نقول انه زمن الانترنت ووسائط الاتصال المتعددة الحديثة, فإنه قبل ذلك زمن التلفزيون, واذا كنا نفكر ما الذي يؤثر فينا على مدار الاربع والعشرين ساعة, فانه اولا واخيرا التلفزيون، الذي يسكن غرفنا ويسكن اعيننا ويسكن هواجسنا واوقاتنا, وبما اننا في شهر رمضان الذي تحقق فيه محطات التلفزة بطولة لا توازيها بطولة طيلة ايام السنة, فإنه لا حديث ولا هم للناس سوى ما تبثه القنوات الفضائية من مسلسلات وبرامج ترفيه تأكل جل مساحة البث اليومي بحيث لا يتبقى لبرامج اكثر جدية سوى النذر اليسير من الدقائق. يدخل التلفزيون في حياتنا وفي كل مرة باغراء اكثر, فبعد ان دخلت برامج المسابقات لعبة الروليت وبدأ معدوها ومقدموها يتحدثون بآلاف من الدراهم والملايين ايضا, صارت لعبة التلفزيون اكبر في حياة الناس, فصار مكانا مغريا بسحر قيمة الجوائز التي تطرحها تلك البرامج, رغم انه عادة ما يكون المقابل الذي يقدمه المشاهد المشارك في اي من هذه البرامج ليس سوى اجابة عن سؤال مترهل, لا يدفع هذا المشاهد الى البحث في المراجع والكتب بحثا عن معلومة مفيدة, بل ما يطرح من اسئلة لا يخرج احيانا عن اواني سفرة الفطور! وعلى النقيض من ذلك نتذكر جميعا برامج مسابقات كان مقدموها يحثوننا بأسئلتهم على العودة الى ارشيف الذاكرة لتذكر مناسبة آية قرآنية مثلا, او تذكر حدث مهم في تاريخ الاسلام, او حتى تذكر ثقافة شعب من شعوب العالم, كانت فوازير زمان تدفعنا اكثر للاستفادة وهذا ما دعى صاحب مسابقات (سين جيم) الشهير على ايامنا ان يطبع اسئلته واجوبته في كتاب توفر في المكتبات واقتناه الجميع لفائدته المعلوماتية. ادخلنا التلفزيون اليوم وبدون ان ندري الى اعتماد الحظ في حياتنا, وعودنا على الاختيارات الجاهزة والاسئلة التي لا تثير فينا الا البلادة, هذا بالاضافة الى تعويدنا على العاب (الحظ) ولكن بطريقة ملتوية لا تؤدي الا الى الهدف نفسه. لا تهمنا الفوازير في التلفزيون, ولا البرامج التي تنقل من خيام تدخين الشيشة, ولكن ما يهمنا حقا هو امر ابتعاد التلفزيون عن الحديث مع الناس في امور ذات اهمية عالية, ففي مجالس رمضانية عديدة تعقد في ليالي رمضان جلسات تضم المسئولين وأصحاب الرأي والفكر وتضم الشباب والناس البسطاء ويتم خلال هذه المجالس مناقشة قضايا ذات اهمية عالية, ومقابل ذلك لم تكلف ادارة محطة تلفزيونية احد معديها بتغطية هذه الجلسات المهمة. يبتعد التلفزيون عما يهم الناس كثيرا ويقترب تماما مما يهم تجار الاسواق, وتجار الفكر الرخيص, يبتعد التلفزيون عن دوره الحقيقي ليتحول الى لعبة لا تساوي في قيمتها عشرة دراهم. هذا هو الحال. مرعي الحليان halyan@albayan.co.ae