أعلنت السلطة الفلسطينية رفضها لاقتراح رئيس الوزراء الاسرائيلى ايهود باراك بالانسحاب من 10% من الأراضى الفلسطينية فى الضفة والقطاع والاعتراف بدولة فلسطينية فوق أراضى السلطة مع ترك ماتبقى من أرض وما لم يتم حله من قضايا بمافيها القدس واللاجئون لمفاوضات مؤجلة!! الرفض الفلسطينى كان منطقيا وطبيعيا, لأن ما يعرضه باراك لا يعنى إلا ضياع القدس والتخلى عن حقوق اللاجئين مقابل كيان هزلى لا يملك من أمره شيئا.. ستكون كل مهمته هو ضمان الأمن الاسرائيلى وتوفير الطمأنينة للمستوطنين ليواصلوا احتلالهم وللجيش الاسرائيلى ليواصل سيطرته على الأرض الفلسطينية, مع انهاء الانتفاضة ومحاصرة المقاومة الوطنية التى أصبحت بفضل أوسلو وتوابعها.. إرهابا! الرفض الفلسطينى كان منطقيا وطبيعيا, ولكنه لا ينهى القصة.. فالمفاوضات تتواصل والأطقم الأمنية تجتمع لتخفيف المصادمات فى الشارع الفلسطينى, والأطقم السياسية تلتقى مع تحركات سياسية تشارك فيها أطراف عديدة من أجل العودة الى مائدة المفاوضات فى أسرع وقت! والعامل الجديد فى الموقف الآن هو اضطرار باراك للإعلان عن انتخابات جديدة فى اسرائيل ترجح كافة الاحتمالات (حتى الآن) أن يخسرها لمصلحة الليكود.. سواء كان بزعامة شارون أو نتانياهو العائد بقوة الى حلبة السياسة الاسرائيلية. والأمل الوحيد الباقى لباراك هو أن يصل لاتفاق مع الفلسطينيين قبل الانتخابات, ينهى به الانتفاضة ويستعيد الهدوء, ويضمن به أصوات نصف اليهود الاسرائيليين وكذلك الصوت العربى داخل الكيان الصهيونى, ومن هنا يجئ اقتراحه الذى قوبل بالرفض الفلسطينى, ولكنه يحقق له شيئا مهما.. وهو استعادة الطريق الى استئناف التفاوض حول الحل الذى يرجوه سبيلا لبقائه فى منصبه ونجاحه فى الانتخابات المقبلة. والحل الذى يطرحه باراك أو أى حل سيطرحه أو يوافق عليه, يستند الى عدة اساسيات تحكم تحركه وتحدد أولياته, وأهمها: - إن أي اتفاق مقترح سيعتمد على الوصول لحل مرحلى جديد, ويستبعد التفاوض على الأوضاع النهائية فى هذه المرحلة, حتى يمكن الوصول الى شيء فى المهلة القصيرة الباقية لباراك قبل الانتخابات, وما يطرحه باراك سيضمن له عدم اغضاب المستوطنين لأنهم سيثبتون أقدامهم فى الضفة وغزة حتى لو قامت (الدويلة) الفلسطينية الهزيلة المقترحة, وأيضا سيضمن له استعادة صورة الساعى الى السلام فيستعيد بالتالى أصوات من ناصروه فى الانتخابات الماضية أو معظمهم من الاسرائيليين اليهود, ويفتح له بابا جديدا للأوساط العربية فى اسرائيل التى أعلنت انها لن تقف معه فى الانتخابات المقبلة. والحل المقترح يضمن لباراك شيئا أساسيا وهو العودة للتفاوض على قاعدة أوسلو, وتطويق الدعوات الفلسطينية والعربية الى اعتماد مرجعية جديدة للتفاوض تقوم على أساس قرارات الشرعية الدولية, بعد أن قتلت اسرائيل بالتسويف أولا ثم بالعدوان الوحشى على الشعب الفلسطينى بعد ذلك اتفاق أوسلو وتوابعه. باراك يريد باقتراحه وضع الجميع على طريق أوسلو من جديد, والعودة للتفاوض حول كل بوصة من الأرض المحتلة, وانتزاع التنازلات الفلسطينية فى كل خطوة على هذا الطريق. وباراك يريد أن يداعب المشاعر الفلسطينية بالحديث عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية الموعودة, وفى نفس الوقت يحدد ملامحها باعتبارها كيانا لا يملك شيئا من مقومات الدولة الحقيقية.. بل مجرد كانتونات متفرقة يتم فيها حشر الفلسطينيين وقمع المقاومة وضمان أمن اسرائيل,ويتم من خلالها تصفية القضية الفلسطينية بأقل الخسائر بالنسبة لاسرائيل. - وباراك بتأجيله للقضايا الأساسية للتفاوض عليها فى مرحلة مقبلة, يترك الباب مفتوحا على مصراعيه للمضى فى الخطط الاسرائيلية لتهويد القدس ونشر المستوطنات, ويطمئن الاسرائيليين يمينا ويسارا بكل مافيهم من نازية وعنصرية أن مستقبلهم بخير وأن القدس باقية تحت أسرهم, وأنه لا عودة لحدود ,67ولا مجال للشرعية الدولية, وأن ماتريده اسرائيل ستحصل عليه بمنطق القوة وبمساندة أمريكا. وإذا كان الرفض الفلسطينى قد أغلق الباب مؤقتا أمام اقتراح باراك الا أن كل شئ يشيرالى أن المسرح يعد لاستقبال حلول شبيهة توقف الانتفاضة وتعيد التفاوض وتحيى عظام (أوسلو) التى أصبحت رميما! والحجة التى بدأ طرحها هى أن سقوط باراك سيؤدى الى كارثة, لأنه سيأتى بحكومة الليكود برئاسة شارون او نتانياهو, وسيوقف المسار التفاوضى, وسيضع المنطقة على حافة الانفجار. إنه نفس المنطق الذى واجهناه فى الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة فى العام الماضى, حين تم اعلان (الجهاد الرسمى العربى) من أجل انجاح باراك, وتحركت الآلة الاعلامية الأمريكية, فتبعناها على الفور, فى التبشير بأن باراك سوف يأتى ومعه السلام العادل الكامل, وأنه سيصلح ماأفسده نتانياهو واليمين الاسرائيلى فى سنوات حكمه العجفاء. وما ان تم اعلان فوز باراك بعد أن ذهبت اليه معظم أصوات عرب فلسطين المحتلة حتى أقمنا فى العواصم العربية الأفراح والليالى الملاح, ولولا الملامة لوزعنا الشربات واعتبرنا يوم فوز باراك عيدا قوميا. ويومها كتبت هنا عن (مولد سيدى باراك) ونبهت إلى أن الأيام ستثبت أنه بالنسبة لنا لا فرق بين باراك ونتانياهو, بل أن باراك هو الأخطر لأنه يضمن التأييد الأمريكى كاملا, ومعه تعاطف أوروبا الغربية التقليدى مع مايسمى بـ (اليسار الاسرائيلى) ومعه ثوب الاعتدال المزيف الذى برع فى ارتدائه قادة حزب العمل طوال خمسين عاما. وجاءت الأيام لتثبت صحة ماقلناه, وانتهى (مولد سيدى باراك) سريعا, وأفاق الجميع على الحقيقة المرة, وأسفر باراك عن وجهه الحقيقى الذى يفوق فى بشاعته وعنصريته وجه نتانياهو أو خلفائه فى زعامة الليكود. ومع ذلك أصرت القيادات الفلسطينية والعربية على انتظار مالا يأتى, واستمرت تختلق الاعذار لنفسها ولباراك. كان الرجل يقول من أول لحظة أنه لا عودة لحدود ,67 ولا حديث عن القدس الموحدة تحت سيادة اسرائيل التى ستكون عاصمتها للأبد ولا عودة للاجئين الفلسطينيين, ولا وقف للاستيطان الاسرائيلى فى غزة والقطاع.. ومع ذلك فالكل يختلق الأعذار له, ويؤكدون انه كلام انتخابات, أو أوراق للضغط فى التفاوض أو تصريحات لطمأنة اليمين الاسرائيلى. ثم استفاق الجميع على الحقيقة المرة. وهى أن الرجل يعني كل ماقاله, وأنه كما قلنا من البداية لا يختلف عن نتانياهو, وأن الاثنين وجهان لعملة واحدة.. رديئة, ومتعصبة, وفاشية وسافلة. وانتهى الأمر بكامب ديفيد الثانية, وبانكشاف نهائى للوجه القبيح, وعرف الذين راهنوا على باراك باعتباره الشريك الكامل فى سلام الشجعان أنهم كانوا يخدعون أنفسهم أو يخدعونا, وأن المطروح عليهم هو الاستسلام الكامل وتوقيع صك التنازل عن القدس وحقوق اللاجئين وثلث الضفة الغربية.. مع تقديم الشكر والامتنان لباراك على (تنازلاته) وللراعى الأمريكى على (رعايته)! وكان ما كان, واندلعت الانتفاضة, وظهرت وحشية اسرائيل فى التعامل معها, وانطلقت دبابات وطائرات باراك ترد على الأطفال الفلسطينيين, وأعلن باراك بكل فخر انه مستعد لقتل ألفين أو ثلاثة آلاف طفل لكى يعيد الفلسطينيين الى مائدة المفاوضات.. ليوقعوا بالطبع على مايريده! وكما فشل باراك فى معركة السلام, فشل أيضا فى الحرب ضد الانتفاضة.. وهاهو فى النهاية يدفع ثمن انتهازيته السياسية وسقوطه الاخلاقى وإيمانه كسلفه نتانياهو بغطرسة القوة الاسرائيلية وقدرتها على حسم الأمور وتقرير مصير المنطقة. الآن يسقط باراك, فإذا بالأصوات تبدأ فى اعادة المسرحية القديمة وتطالب بـ (إنقاذ) باراك, حتى لا يأتى شارون أو نتانياهو. وعملية (الانقاذ) تعنى بالطبع إيقاف الانتفاضة, والقبول بمايسميه البعض بـ (الهدنة) ومايسميه البعض بـ (الحل المؤقت) ووقوف العرب فى فلسطين المحتلة مع قاتل الأطفال فى الانتفاضة ومنحه أصواتهم ليعود للرئاسة ويستأنف مسيرة الشجعان!! أى عبث بمصائر الشعوب وأى امتهان للنفس وأى اهدار لدم الشهداء وتضحيات الملايين؟ وماالفرق بين سفاح مثل شارون وسفاح آخر مثل باراك؟ وهل قتل الأطفال على يد باراك أخف وطأة من قتلهم على يد شارون أو نتانياهو؟ ومن الذى أقام دولة اسرائيل وشن الحرب فى 56 و فى ,67 وقتل النساء والأطفال العرب فى دير ياسين وبحر البقر.. أليسوا زعماء حزب العمل الذى يقوده باراك الآن على سنة أسلافه, بل ويتفوق عليهم فى الوحشية والسفالة والعنصرية؟ أى فرق ياسادة بين هذا أو ذاك؟ انه الفرق بين قاتل يمارس القتل وهو يتحدى العالم بمايفعل, وقاتل آخر يفعل نفس الشئ وهو يقسم أنه يمارس أقصى درجات ضبط النفس!! ألم يكن الوضع أفضل ونحن نواجه نتانياهو.. والعالم يدين تصرفاته ويعرف أنه مجرد نازى صغير تغير بقوة جيوشه ويظن أن العالم سيركع أمامه.. ألم يكن ذلك أفضل من الوضع الحالى الذى يرتكب فيه باراك كل جرائمه, وهو قادر على خداع العالم ومسيطر على دوائر الاعلام ومستحوذ على تأييد أمريكا ومساندة الغرب.. فتكون النتيجة أن يتحول القاتل إلى ضحية وأن تطالب أمريكا وأوروبا بوقف (عدوان) الأطفال الفلسطينيين على جنود باراك الغلابة؟!! وماذا عند باراك ليقدمه الآن أو غدا الا هذا الفتات الذى يعرض صورة منه فى اقتراحه الأخير؟ وأى خير ننتظره من رجل يقول انه مستعد لقتل آلاف الأطفال الفلسطينيين لكى يأتى بالسلطة الفلسطينية الى مائدة التفاوض والاستسلام؟ فليذهب باراك ومن معه الى الجحيم, وليأتى من يأتى ليحكم اسرائيل, فليست هذه هى قضيتنا بعد أن أثبتت الأحداث أنهم جميعا سواء, ولا فرق بين يمين ويسار, ولا بين علمانى ودينى.. كلهم تحكمهم رؤية واحدة نحو العرب, رؤية صهيونية متعصبة تفوق النازية فى وحشيتها وغطرستها واحتقارها للآخرين. فليذهب باراك الى الجحيم, وليأت من يأتى, فكلهم سواء فى مواجهتنا, ولن تكون قضيتنا أبدا من يحكم اسرائيل.. ولكن القضية أن نرغم من يحكم مهما كان على الاعتراف بالحقوق العربية المشروعة, ولن يتم ذلك بالرهان على هذا الطرف الاسرائيلى أو ذاك, وإنما باستمرار الانتفاضة وفك الحصار المضروب على المقاومة ومدها بكل ماتحتاجه لتضرب فى العمق وتجعل اسرائيل تدفع ثمن احتلالها للأرض وتدنيسها للمقدسات. قضيتنا ليست بارك أو شارون, وانما قضيتنا أن ننهى منهج التسوية المريضة التى تحول أرض فلسطين من أرض محتلة الى أرض متنازع عليها, وأن نتصاعد بالمقاومة لتدرك اسرائيل أن ماحدث فى جنوب لبنان لابد أن يتكرر فى الضفة والقطاع, وأن يدرك الجميع أن مابدأ بالانتفاضة لا ينتهى الا بالتحرير. للذكرى والتاريخ لم يصل حتى الآن لشعبنا العربى فى فلسطين دولار واحد من أموال الدعم العربى التى تقررت فى القمة العربية! آخر الأخبار تقول إن اجتماعا سيعقد بعد أسبوع فى جدة لعدد من الخبراء الذين يدرسون التفاصيل الخاصة بآلية العمل المقترحة. وبعدها سيتم رفع ماتوصلوا له الى اللجنة الادارية التى شكلها وزراء المالية لمتابعة الموضوع.. وبعدها سيتم تصعيد القضية إلى وزراء المالية بأنفسهم لاتخاذ القرارات النهائية. فإذا لم يتم الاتفاق فموعدنا فى القمة المقبلة فى مارس المقبل, ولا حول ولا قوة الا بالله. ماذا أقول؟.. اللهم إنى صائم.