ربما لن يصافح هذا المقال اعين القراء الا ويكون امر استجواب الدكتور عادل الصبيح وزير الكهرباء والماء ووزير الدولة لشئون الاسكان قد اتضح وحسم اما سلبا واما ايجابا, ولست هنا معنيا بالنتائج اكثر مني معنيا بالأسباب وتحليلها بالاسلوب العلمي ما امكن ذلك. والمتابع للعمل النيابي في الكويت ولسير الادارة منذ عشر سنوات على الاقل, ان لم يكن اكثر, يجد ان هذا العمل بشكله العام لا يكاد يخرج من ازمة حتى يقع في ازمة اخرى, وهو يدخل في باب الممارسة المتعسفة للعمل الديمقراطي, اكثر مما هو فشل لفكرة الديمقراطية نفسها. والدليل على ذلك ان السنوات العشر الماضية شهدت تعثرا في اكمال الدورة النيابية المفترضة والثانية بعد التحرير, كما شهدت وتشهد متوسط عمر الوزارات المختلفة الذي لا يزيد على السنتين الا بقليل من الاشهر, وهذا الامر يسميه خبراء الممارسة السياسية بـ (عدم الاستقرار السياسي). كما ان هذه الازمات لها دورة لا تتخطاها, فهي في السنتين الاولى والثانية من عمر المجلس تتصاعد تدريجيا كي تصل في بداية السنة الثالثة الى قمتها في استحكام الازمة, ثم يحدث انفراج اما بسبب تدخل السلطة العليا بعمل سياسي جذري وإما بالتغيير والتدوير الوزاري, وهي حلول مؤقتة ــ بالطبع ــ لا تلبث ان تفقد دفعها وحصانتها بانبثاق ازمة جديدة, كما انها معطلة للعمل العام. لذا فإن الكثيرين يرون ان الوضع في الدولة ككل متوقف عن المبادرة ومتخوف من الريادة, مما يجعل المجتمع يعاني من شتى ضروب التأفف والملل وضياع الفرص وعدم القدرة على النمو بمعناه العام, فتتوقف عجلة الاقتصاد وتتراجع معدلات التعليم وتنخفض مستوياتها وتتدهور الخدمات الى ادنى مستواها, وهو الامر الذي تلحظه في احاديث الجميع الذين يقولون اننا في الكويت كنا افضل حالا فيما سبق. ويقف البعض متربصا بالبعض الآخر, يريد اما تحقيق (انتصارات سياسية) لاهداف فئوية او جماعات ضغط, صغرت او كبرت, كما يسربلون القضايا الصغيرة والتي يمكن التفاهم حولها ــ اثوابا فضفاضة لتصبح قضايا كبيرة متعسرة الحل. ولعل (معركة) استجواب الوزير الصبيح هي ملف كامل الصلاحية, لاتخاذه نموذجا لدراسة الازمة المستحكمة والمتواصلة في العمل السياسي الكويتي, وتستحق ان تقرأ بحيادية وأن تقدم لها الحلول الممكنة, لأنها كقضية يمكن ان تتكرر غدا او بعد غد لتواجه وزيرا آخر ومهمة اخرى. اذا تجاوزنا الامور الفرعية, فإن قضية الاستجواب التي كان وزير الاسكان طرفا فيها, منصبة على السياسات الاسكانية والتي بدأتها الدولة بسياسات معينة في زمن الوفرة في الفائض المالي المريح والفائض المكاني الفسيح, وقد حملت الدولة وضع سياسات وقبول قوانين وجدت نفسها في آخر المطاف غير قادرة على الوفاء بها لاسباب كثيرة كما كانت في السابق, فاحتاج الامر الى تغيير السياسات ووضع اولويات مختلفة وتدرج تحقيق الحاجة الاسكانية, هذه السياسة هي موضع التساؤل, وهي لا تخرج عن نظام توزيع ربما من الممكن ان يفقد البعض حقوقا كانت لهم او لامثالهم, ويتضرر البعض من ذلك. وهنا يبرز سؤال مهم هو: هل بالامكان ان تتفهم النخبة (اعني اعضاء مجلس الامة) ان ذلك يمكن ان يحدث في اي مجتمع, وأن هناك طرقا ووسائل للحل التدريجي لمشكلة كهذه, يزيد من تفاقمها عدد من العناصر ليس من بينها رغبات الوزير الشخصية, بل هي ضغوط تمويلية ومساحات سكنية وقدرات مالية, ام ان يستجاب (ان احسنا الظن) لضغوط ناخبين, وقواعد انتخابية تريد من الدولة استمرار سياسة (الرعاية بمزاياها السابقة في الوقت الذي لا تتوافر فيه المصادر المادية لهذه الرعاية كما كانت في السابق, ويتحول الاستجواب من سؤال مغلظ الى ازمة سياسية مستحكمة. يلاحظ ان هناك وعيا لعدد كبير من المهيئين لتمثيل المجتمع (اي مجتمع) لسحب القضايا المنطقية, التي يمكن ان يقتنع بها الناس بسبب موضوعيتها ــ سحبها من التداول السياسي ــ ووضعها تحت مجهر التداول الفني البحت, واعمال العقل فيما يمكن, او لا يمكن تحقيقه, ضمن الظروف والملابسات الاقتصادية والاجتماعية وتوافر الفضاء المتاح من الارض والخدمات التي تحتاج اليها هذه الرعاية. ولكن ايضا هناك في المقابل من يرى ان (صاحب الحاجة اعمى) ولأنه كذلك فلن يفيد كثيرا الاقناع بالمنطق وشرح الظروف المحيطة والمحبطة ايضا. فلابد اذن من موقف سياسي وشخصنة القضية من اجل تأثير سياسي اكبر, بدلا من الاقتراب منها كما هي, في عموميتها الفنية التي تتجاوز شخص الوزير, او اي وزير آخر للاسكان او غيره. فالقدرة على الوفاء بخدمات (دولة الرعاية) قد تناقصت نتيجة لتضاؤل وتآكل الموارد المالية للمجتمع, خاصة في قضية حيوية مثل الاسكان, التي تحتاج الى خدمات اخرى عديدة مثل البنية التحتية والكهرباء والماء الى آخره من خدمات. السؤال المطروح هنا: هل عضو او اعضاء مجلس الامة المنتخب هم (رؤساء نقابات) يسعون لتحقيق افضل الشروط لاعضائهم المباشرين, ام هم (ممثلو الامة) يعملون بهدف الدفاع عن مصالح الوطن بما فيها تثمين وفهم الصعوبات الاقتصادية والتمويلية التي تواجهه. الفرق كبير بين اناس يدافعون عن مصالح الاعضاء وهنا اقصد الجمهور الانتخابي للعضو, مرة اخرى ان احسنا النية, وآخرين يدافعون عن مصالح مرسلة وعامة يرون فيها ان القضية فنية اكثر منها سياسية تحتاج الى تضافر الجهود بدلا من تفرقها. قراءة لتفاصيل الاصطفاف في امر الاستجواب الاخير لوزير الدولة لشئون الاسكان تأخذنا الى مجموعة من النتائج التي يشعر معها المتابع بأن هناك شبه تحول او بداية تحول من الدفاع عن مصالح النقابة (الجمهور العريض للمنطقة الانتخابية) لدى البعض الى فهم اكبر للمشكلة الوطنية, وربما للممارسة السياسية, فهذا الاصطفاف الجديد بعضه تنظيم بحت وبعضه فهم سياسي عميق بأهمية هذا التحول. لا يجادل احد في ان بعض الكتل السياسية (ان صحت التسمية) او الافراد في مجلس الامة الكويتي انحازت للوزير ربما بسبب علاقة تنظيمية حالية او سابقة, او تحالف سياسي قديم او جديد, وبعض الكتل النيابية الاخرى انحازت للوزير بسبب قناعات التحول من تمثيل مصالح اعضاء في الجمهور الانتخابي للدائرة الانتخابية الضيقة, الى طموح تمثيل اكبر لمصالح مرسلة للمجتمع ككل, وان تضررت شريحة اجتماعية من هذه السياسات حيث ان السياسة في نهاية المطاف هي خيارات وانتقاء بين عدد من البدائل الممكنة وكل له ثمنه الاقتصادي والسياسي ايضا. لكن الملاحظ ان هناك تغيرا في خريطة الممارسة السياسية في الكويت يظهر لاول مرة او قل يظهر بوضوح لاول مرة وهو تجاوز الضغوط المباشرة من الجمهور الانتخابي المباشر, وقد تجاوزت هذه الضغوط بعض اعضاء المجلس تضرر جمهورهم الانتخابي بسياسات فرضها الواقع الاقتصادي في الموضوع الاسكاني بعضهم ايضا بقراءة صحيحة, قد فعل ذلك بسبب تلك الارتباطات التنظيمية او التعاطف معها والبعض الآخر قد اتخذ موقفا يميل الى ان يحقق قول (لا) اذا اقتضى الامر, وربما وهي ليست جازمة افترض ان ذاكرة الجمهور قصيرة, يمكن ان يعوضها في قول (لا) اكبر لسياسات اخرى قد تطرح في المرحلة الساخنة للموسم السياسي وهي وقت بدء الدورة الثالثة من الفصل التشريعي. كما يشهد المتابع ان البعض بالرغم من علاقات تنظيمية او تعاطف مع تيار بعينه, قد خضع او اتخذ موقفا رافضا لكل التبريرات العقلية التي قدمها الوزير دفاعا عن سياسته, تماشيا مع ما فرضته الضغوط لدى جمهوره الانتخابي فسار في الدرب الى نهايته, حتى لو علم بوضوح ويقين ان شخص الوزير هنا لا يقدم كثيرا ولا يؤخرا بالنسبة لسياسات فرضها واقع اقتصادي وعملي خارج عن رغبة الوزير الشخصية وقد قام بها كما يقوم اي منفذ جيد من خلال الموازنة بين الموارد والاحتياجات. ليس الاستجواب وما تلاه هو نهاية العمل السياسي المضطرب, النتيجة هي هل يمكن ان ندفع السفينة الى مرافىء محددة تستجيب لما يفرضه التحدي السياسي والاقتصادي على الكويت ويغلق الملف بـ (فروسية سياسية) للالتفات الى قضايا عالقة يتمنى المواطن النظر اليها وتفعليها وتقديمها على اجندة العمل السياسي قبل سواها, خاصة في اجواء مضطربة تواجهها الكويت اقليميا أم سيظل الملف في الخندق نفسه دون ان يخرج منه او تفتح ملفات مشابهة؟ هنا تحسب مهارة القيادة والنخبة في المجتمع ان استطاعت سحب المحاصصة والتنازع من التداول السياسي, طمعا في موقف توافقي, يحل مشكلات الداخل ويدرأ مخاطر الخارج واقبلت على ما ينفع البلاد والعباد وذلك هو الملف الذي يتوخى كل العقلاء ان يفتح. على العقلاء من ساستنا التخلي عن الاستقطاب السياسي لبعض الكتل الموجودة على الساحة السياسية وممارسة لعبة الجذب والارخاء من اجل تحقيق اهداف سياسية ضيقة وآنية وممارسة مباراة صدامية لتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب فتجنب هذه الممارسات هو الطريق الوحيد الذي يحقق المصالح والمكاسب التي يتطلع اليها الكويتيون, فهم يتطلعون الى استقرار سياسي واجتماعي يجدون انفسهم فيه آمنين لمستقبلهم بعيدين عن التوتر الناشىء عن القلق الدائم من الغد داخليا وجبهة وطنية عالية التماسك بمواجهة اخطار الخارج.