رمضان هذه السنة له طعم مختلف وله ايقاع جديد.. هلّ على دنيانا وفي ركابه شوق ظل متقدا في الصدور طول العام.. ولكنه يأتي في ظل انتفاضة شعبنا العربي في فلسطين, مع كل يوم تطلع فيه شمس رمضان.. تهدي الأرض الفلسطينية فتية من فلذات أكبادها يرتفعون الى مراقي الشهادة ويخلفون في قلوب ذويهم لوعة وأسى ممزوجا بنبل الصنيع وسمو الاعتزاز. جاء رمضان هذا العام مفعما بشجن.. وما من بيت في ربوع العرب وأمصار المسلمين إلا ويحيى أيام الشهر الكريم وقد استدعى الى الخاطر اسم فلسطين البلد المناضل الشهيد. وعجيب أمر الذاكرة حين ينتابها هذا الطائف من الشجن الفلسطيني فاذا بها تستدعي, بدورها, سيرة فنان فلسطيني من يافا عاش من أواخر القرن التاسع حتى قرب منتصف القرن العشرين اسمه ابراهيم الدباغ.. لا ندري أين شاءت له أقداره أن يلتقي بالسيد عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية الذي طارده الاحتلال الانجليزي, فكان أن دوخ مطارديه في مصر التي ظل يجوب أرضها بين الدلتا والصعيد متنكرا في ذكاء غريب, في أهاب شخصيات عديدة.. وحين ضيقوا عليه الخناق.. لم يجد عبدالله النديم مناصا من مغادرة الوطن الذي أحبه ليسيح في بلاد الله خلق الله.. مجتازا بلاد الشام الى أن رست به سفينة الحياة والتجوال على شطوط اسطنبول العثمانية حيث عاش حياة هي الى الفقر أدنى والى النفي أقرب. لا ندري أين التقى الفتى الفلسطيني ابراهيم الدباغ بالخطيب المثقف المصري عبدالله النديم.. الأستاذ كمال النجمي عليه رحمة الله, وشهادته موثوقة لدينا يقول أن مكان اللقاء كان مدينة يافا مسقط رأس الدباغ الذي روعته قدرة النديم على الخطابة وقدرته على الحوار, ناهيك عن ثقافة تراثية واسعة تصدر عن روح ساخرة ونفس ممرورة ووجدان يقظ يشع ذكاء ولماحية وبراعة في التواصل, بفضل هذه الحصيلة كلها, مع جموع الناس. كيف تأتي لعبد الله النديم كل هذه القدرة على الخطابة البليغة والتعبير الجميل؟ كان النديم وقتها يطلع على الناس معتما بعمامة خضراء.. فاعتقد ابراهيم الدباغ أن سبب هذا النبوغ النديمي مرجعه أن عبدالله النديم درس في الجامع الأزهر.. وهكذا استقر الدباغ على أن يشد الرحال الى قاهرة الأزهر يدرس ويتثقف ويصقل موهبة ابداعية كانت مستكنة في أعماق وجدانه. هكذا (جاور) ابراهيم الدباغ في الأزهر كما يقول المصطلح القديم وأحبه الناس في حي الحسين وخان الخليلي وعرفوه منسوبا الى مدينته الأثيرة باسم الشيخ ابراهيم اليافاوي. ولأن صاحبنا أمضى سنوات الدرس في الأزهر وقد ركز اهتمامه على تنمية ذائقته الفنية في استطعام الشعر وفي نقده, وفي ابداعه وفي متابعة تاريخ الابداع الشعري العربي عبر العصور.. فقد خرج الدباغ من الأزهر بغير شهادة رسمية ترشحه للعمل قاضيا شرعيا أو واعظا رسميا.. ولكنه خرج من الأزهر العتيد فنانا.. أديبا.. شاعرا. مسامرا من الدرجة الأولى.. الفتى اليافاوي القادم من فلسطين لم يكد يترك مجلس سمر أو جلسة حوار أو مجمعا للأدب والفن الجميل إلا و شارك فيه بحماس وموهبة شعرية استرعت اليها أنظار معاصريه (العقود الأولى من القرن العشرين).. ولأنه كان شاعرا موهوبا فقد اتسمت قصائده كما يصفها الأستاذ النجمي بجزالة وروعة في النسج تنتمي الى العصر العباسي عصر ازدهار الشعر الكلاسيكي.. ولكن هذه الأشعار الراقية التي تنسج في رونقها على منوال (أبو تمام) والبحتري لم تستطع أن تطعم صاحبها خبزا.. ولو مغموسا في أي إدام.. وإذ كان صاحبنا الدباغ فنانا بوهيميا فقد كان يتكسب من كتابة الأغانى لمطربي عصره وأشهرهم عبده الحامولي أجمل أصوات ذلك العصر ومحمد عثمان سيد من لحن الدور معمارا فنيا باذخا وعملا موسيقيا شامخا مازلنا نتنسم عطوره الزكية حتى كتابة هذه السطور (رحل سي محمد عام 1900 للميلاد وبعده بسنة واحدة رحل سي عبده).. صحافة تلك الأيام فتحت أبوابها وصفحاتها ترحب بكتابات الأديب اليافاوي الذي كان يتمتع بحاسة نقدية دقيقة ولا سيما في مجال الفن والأدب ودنيا الموسيقى والغناء. لا عجب أن كان معجبا بمسرح الفنان الكلاسيكي سلامة حجازي.. وقد حفظ لنا التاريخ لحسن الحظ اسطوانات بصوته عمرها الآن نحو 85 سنة ينشد فيها آثار جمال من أغنياته (أتيت فألفيتها ساحرة) أو (ميلاده ما حيلتي) ورغم عتاقة الأسطوانة وبدائية التسجيل فإن الأذن الخبيرة المحنكة يمكن أن تدرك كم كان صوت سلامة حجازي ثريا.. ذا مساحات عريضة تتيح للفنان أن يتصرف بمقدرة متمكنة وهو يتنقل بين السكك المقامية كما يقول المخضرمون من أهل الكار. الطريف أن الفنان سلامة حجازي كان يقدم على المسرح أعمالا درامية بالعربية الفصحى (رحم الله ذلك الزمان البعيد البسيط الذي كان يحترم فصحانا ويحافظ على عفتها وجلالها).. وكان المترجمون أيامها يبالغون في لعبة التعريب ولا يوقرون في ذلك أحدا حتى ولو كان السيد ويليام شكسبير شخصيا. هكذا ترجموا للعم سلامة حجازي مسرحية روميو وجولييت بعنوان وعظى هو (عواطف البنين) وفي المسرحية يتألق سلامة حجازي ويصول بأوتار حنجرته ويجول وهو يمثل دور روميو (ولا ندري أكان يرتدي الطربوش أم لا) وهو يسائل محبوبته: * أجولييت ما هذا السكوت؟ ــ وعلى نفس النسق ترجموا لسلامة حجازي رواية أخرى بعنوان (ضحية الغواية) وكان المطرب يردد بين أحداثها بيتا من الشعر يقول فيه: * (سلي النجوم يا شارلوت عن سهري). ــ وربما (تسلطن) سلامة حجازي ذات ليلة واذا بصوته من طبقة التينور الذي يجمع بين الفحولة والحلاوة كما يقول المؤرخ الموسيقي الراحل عبدالحميد زكي (في كتابه عن أعلام الموسيقى) يردد البيت في ترجيع وتطريب مفتن لدرجة أن محاميا كان من المشاهدين في صالة المسرح وقف يخاطب المطرب الممثل قائلا: * يا أستاذ.. والنبي.. يا ليل.. ــ ولم يكن في القصيدة (وطبعا ولا في المسرحية المترجمة أي اشارة الى حكاية يا ليل من قريب أو بعيد). لكن على من؟ لقد بادر الفنان سلامة حجازي فطلب من صاحبه وصاحبنا أيضا الشاعر ابراهيم الدباغ.. أو ابراهيم الفلسطيني اليافاوي أن ينجده ببيت من الشعر يجري على نفس الروى والقافية شريطة أن يكون فيه كلمة ليل لزوم الموال والترجيع والترديد والسلطنة.. ولتذهب الى حيث ألقت حبكة الدراما وتعاليم أرسطو الدرامية. وكان ابراهيم الدباغ عند حسن الظن كالعهد به. فأنشد بيتا أرتجله وقال فيه: * صبرت حينا على بين رميت به وأنت يا (ليل) لم تطلع سنا قمري وتم المراد من رب العباد. وظل الشيخ سلامة حجازي يناجي الليل حتى مطلع الفجر.. ويسجل الشاعر اليافاوي هذه الحادثة في مقالة كتبها آنذاك بأسلوبه الطلي الساخر يقول: (فما كان من شأن المحامي (بعد انشاد القصيدة) إلا أن قذف بطربوشه على المسرح ثم أخذ التصفيق والهتاف دوره.. وأخذت أنا دوري بالاعجاب والتيه على الناس لأني أنا الذي أدخلت كلمة ليل في القصيدة.. فيالجنوننا وطيشنا في تلك اللحظة التي فتح الله فيها لنا هذا الفتح العظيم..). في عقد الأربعينيات أصبح الأستاذ ابراهيم الدباغ مجرد شبح من فرط العجز والشيخوخة البصر مكفوف والجسد واهن.. ولكن ذاكرته ظلت تستدعي مدينته الأصلية الجميلة يافا في فلسطين.. وكم كان شوقه اليها ثم رحل عن الدنيا عام 1946 وبعد سنتين لا أكثر رحلت يافا نفسها فقد استولت عليها حركة الاستيطان الاستعماري الصهيوني في نكبة 1948 ألم أقل لك أن رمضان يأتي هذا العام مغلفا بشجن عميق؟