الى متى يبقى العراق رهن سجن (النفط مقابل الغذاء)؟ قياسا على النجاحات العراقية المتتالية في الانفكاك من قيود العقوبات كما نرى فإن التحرر النهائي ربما لم يعد إلا مسألة وقت. ملامح الصورة العامة التي تبلورت مؤخرا تختلف عن الصورة قبل بضعة اعوام فقط, فقد انتهى عهد الاجماع الدولي المعادي للعراق بحيث انه لم يعد هناك عدو للعراق بين القوى الكبرى إلا دولة واحدة: الولايات المتحدة, وحتى الدول العربية التي اتخذت موقفا ثابتا الى جانب واشنطن ضد العراق تتفاوت مواقفها الآن ما بين مؤيدين لبغداد او مترددين او مؤيدين لواشنطن على استحياء. ولذا فإنه على الصعيد التطبيقي يتداعى جدار العقوبات يوما بعد يوم.. وبصيص الضوء عند نهاية النفق صار بؤرة ضوئية ساطعة. مع ذلك تبقى العقبة الكبرى معادلة (النفط مقابل الغذاء) التي من خلالها يظل للولايات المتحدة قدر خطير من السيطرة على العائدات المالية من صادرات النفط العراقية والتحكم في اوجه انفاقها بما يحرم العراق كدولة من حرية القرار المالي والتجاري والاستثماري, وبالتالي حرمانه من ممارسة سيادته الاقتصادية, واذا استطاع العراق ان يتغلب على هذه العقبة تحديدا فإنه يكون قد حقق لنفسه التحرر النهائي من نظام العقوبات, فما هي الفرص المتاحة امامه لتحقيق هذا الهدف الصعب؟ ان مما لا شك فيه ان العراق قد قطع الآن شوطا طويلا على طريق استرداد السيادة بالمعنيين السياسي والاقتصادي. على الصعيد السياسي تلاشى نظام الحظر الجوي مع توالي هبوط الطائرات المدنية من مختلف بقاع العالم على مطار صدام الدولي في بغداد.. بل وتستعد بعض الدول من بينها الاردن وسوريا وايران وروسيا لتسيير رحلات سفرية منتظمة. ويتوالى ايضا فتح السفارات والبعثات الدبلوماسية في بغداد لعدد كبير من دول العالم من بينها دول اوروبية, وهذا بدوره شجع بغداد على اطلاق حملات دبلوماسية لتقوية العلاقات مع دول صديقة وتوقيع اتفاقات تعاون. وكان من ابرز الاختراقات على الصعيد الاقتصادي مشاركة اكثر من 20 دولة عربية واجنبية في معرض بغداد الدولي. واعيد فتح خط الانابيب النفطي بين العراق وسوريا بينما وضعت خطة لبناء خط انابيب عراقي ينقل النفط عبر الاراضي الاردنية الى ميناء العقبة. واذا قرأنا هذا المشهد المتحرك بصورة دقيقة فإنه يعني ان الامور تسير سراعا في اتجاه تصادم حتمي قريبا بين القوى الكبرى المؤيدة للعراق ـ فرنسا وروسيا والصين ـ وبين الولايات المتحدة على صعيد مجلس الامن الدولي. وحتى اذا اخذنا في الاعتبار وصول رئيس جديد الى البيت الابيض في 20 يناير فإنه لا يتوافر مؤشر على ان واشنطن عازمة على تنازل جوهري في رفضها العنيد لالغاء الحصار المفروض على العراق, لكن من الناحية الاخرى سوف تجد واشنطن نفسها هذه المرة في مواجهة اقوى واشد من القوى الكبرى الثلاث المناوئة بدوافع المصالح الحيوية. واذا لم تبد الولايات المتحدة قدرا من المرونة للتوصل الى حل وسطي على الاقل بشأن العراق كأن يتم الاتفاق على جدول زمني محدد لالغاء العقوبات مقابل ان تسمح بغداد بدخول لجنة مفتشي الاسلحة الدولية بصورة رمزية, فإن الدول الثلاث: فرنسا وروسيا والصين, قد تتصرف هذه المرة بطريقة احادية فتقرر التعامل مع العراق شراء وبيعا وتسدد فواتيرها الى بغداد رأسا في تجاهل تام ونهائي لمعادلة (النفط مقابل الغذاء) وبذلك ينفتح الباب على مصراعيه لدول العالم الاخرى.