الحديث في إسرائيل يدور اليوم حول الاحتمالات القوية لتشكيل حكومة طوارئ, وهي في حقيقتها حكومة حرب تسند إليها مهام مواجهة أيام سوداء مقبلة في حياة الإسرائيليين الذين لا يعرفون بالضبط، إلى أين تقودهم الأحداث الساخنة والمتصاعدة في الأراضي المحتلة.. حتى صار الحديث شائعا بينهم عن (حرب يأجوج ومأجوج), (معركة مجرو) وتعني معركة النهاية بالنسبة لإسرائيل, و(حرب الضيافة) و(سيناريو الملاذ الأخير) ... إلخ من التوقعات التي وردت في الأساطير اليهودية القديمة, وتبشر بنهاية دولة اليهود. الأمر الذي يعكس حالة الخوف والرعب التي يحياها الإسرائيليون اليوم بسبب اشتعال ثورة الفلسطينيين, رغم انها لم تتعد بعد استخدام الحجارة. ولقد انتقل هذا الاحساس بالخطر إلى الولايات المتحدة, حيث اهتمت دوائر صنع القرار في واشنطن, ومراكز الدراسات والأبحاث السياسية والاستراتيجية التي تعاونها ــ مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ــ بدراسة الاحتمالات الناتجة عن تدهور الأوضاع في المنطقة, وانها تنزلق نحو حرب قد تشمل معظم دول المنطقة بما فيها إيران وتركيا, ومدى ما يشكله ذلك من تهديدات ومخاطر على المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة. وهو ما يفسر اهتمام الإدارة الأمريكية الحالية ـ حتى في ساعاتها الأخيرة ــ بضرورة وقف أعمال العنف الدائرة في الأراضي المحتلة, لا سيما بعد التحذيرات العديدة التي وردت في تقارير أجهزة المخابرات الأمريكية والغربية, حول عمليات متوقعة أشد عنفا وتأثيرا من حادث تفجير المدمرة (كول) الذي وقع في عدن في 12 أكتوبر الماضي, وما كشفت عنه التحقيقات التي تجريها الكويت مع الشبكة الارهابية التي تم ضبطها أخيرا. هل تنجح ألاعيب باراك الحزبية؟! مما لا شك فيه ان حكومة باراك تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد فشلها في تحقيق ما سبق وأن وعدت به الاسرائيليين من التنعم بمناخ سلام في الداخل, وتطبيع علاقات مع جميع الدول العربية, وأثبت باراك انه سياسي مفلس. فقد فقد الأغلبية التي يتمتع بها في الكنيست, وشركاؤه هجروه, وأصبح يستجدي تارة حزب شاس الذي مد في عمر حكومته شهرا واحدا نتيجة الامتيازات المادية التي منحها للمتدينين المتطرفين الذين يمثلهم شاس. وتارة أخرى يتملق شارون زعيم حزب الليكود ويغريه بتولي الوزارات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت في الماضي بحوزة حزب شاس (العمل والرفاة الاجتماعي والبنى التحتية والصحة والأديان), وانه سيكون نائب رئيس الوزراء وله حق الفيتو في القرارات المتعلقة بالأمن القومي ببعديه (السياسة الدفاعية والسياسة الخارجية), في ذات الوقت الذي يلوح له بخصمه اللدود نتانياهو الذي يؤهل نفسه حاليا لاعادة زعامة الليكود بدلا من شارون. ويدرك باراك جيدا ان حكومته لن تكمل دورتها (أربع سنوات) إلا بأعجوبة, وسيضطر إلى اجراء انتخابات مبكرة في السنة المقبلة, وهو بالطبع لا يريد خوض هذه الانتخابات في ظل الانتفاضة الجارية, فقد تؤدي عملية انتحارية واحدة تقوم بها حركة حماس إلى جلب نتانياهو أو شارون إلى كرسي الحكم, ويعود هو إلى صفوف المعارضة, وربما يفقد رئاسته لحزب العمل أيضا في ظل تصاعد المعارضة ضده داخل الحزب. والتي تقودها عناصر فاعلة مثل (يوسي بيلين) وزير العدل, (ياعيل دايان) ابنة الجنرال الشهير موشى دايان, والنائبة في الكنيست, بجانب حلفائه من اليسار الإسرائيلي الممثل في حزب (آرتيس), والنواب العرب العشرة.. وجميعهم يرفضون فكرة حكومة ائتلاف وطني تضم شارون, ويطالبون باستمرار العملية السلمية, ويهددون بسحب الثقة من باراك في أية انتخابات قادمة. وإذا كان باراك اليوم لا يعول كثيرا على قدرة أي من الولايات المتحدة أو الدول العربية أو حتى عرفات في ايقاف الانتفاضة, وان السيناريو الأكثر ترشيحا للوقوع هو ان تستمد هذه الانتفاضة متدرجة في اشتعالها مما قد يؤدي إلى انفجار الموقف, فإن من المتوقع أن يستغل باراك هذا الاحتمال السائد في الأوساط الإسرائيلية, لا سيما في أجهزة المخابرات, ليجدد دعوته لجميع الأحزاب للانضواء في حكومة (وحدة وطنية) تحت رئاسته. وإذا فشل في اقناعهم بذلك من خلال ابراز خطورة الوضع الذي تتعرض له اسرائيل, وتدهور الموقف الأمني, ومتطلبات المصلحة العليا للبلاد ... إلخ, وهو ما يستدعي التنازل عن فكرة تقديم موعد الانتخابات, خاصة مع اغرائهم ببعض المصالح الخاصة بأحزابهم, إذا لم ينجح باراك في ذلك فقد يلجأ إلى اعلان حالة الطوارئ, والتي تعني ببساطة نذيرا بالحرب, سواء داخل الأراضي الفلسطينية, أو على الحدود الشمالية مع لبنان, وهو ما قد يدفع باقي الأحزاب خاصة الليكود وشاس ــ إلى التحالف معه, ويعني ضمنيا اقتحام المجهول ليس فقط على الدائرة الفلسطينية, بل على كل الدائرة الشرق أوسطية. وإذا حدث ذلك, فمن المؤكد أن تكون الحكومة القادمة في تل أبيب هي حكومة شارون فعلا وليست حكومة باراك التي يرأسها من حيث ظاهر الأمر. لانه في أي حكومة اسرائيلية اشترك فيها شارون حتى الآن كان هو العنصر الفعال فيها. فعندما كان وزيرا للدفاع في حكومة مناحم بيجن عام 1982 ورط اسرائيل في حرب لبنان, وعندما كان وزيرا للزراعة غطى المناطق المحتلة بالمستوطنات والتي تفرض اليوم نفسها على سياسة باراك, وفي كل وظائف شارون كان يصر على خريطة ضم الأراضي التي تسببت في توقف العملية السلمية, حتى كان اقتحامه للمسجد الأقصى وسط آلاف الجنود مما أدى إلى اشتعال (الحرب) الحالية. لذلك من السخرية القول بأنه من الممكن لباراك أن يسيطر على طموحات شارون حتى وان كان الأول رئيسا لوزارة تضم الثاني, لا سيما وانه من المعروف عن شارون انه من أعداء الحلول الوسط مع الفلسطينيين, واسمه في العالم العربي مرتبط بمذابح صبرا وشاتيلا, ورفضه لعملية السلام من أساسها ابتداء من أوسلو وحتى كامب ديفيد الأخيرة, التي اشترط شارون تخلي باراك عنها حتى يقبل الدخول في ائتلاف حكومي معه. وفي حكومة طوارئ كهذه, سيكون للمتطرفين الآخرين فيها ــ بجانب شارون ــ صوت مسموع, مثل روفائيل ايتان رئيس الأركان السابق وزعيم حزب (هاتحيا) الذي تم استدعاؤه مؤخرا ليعرض رؤيته للأوضاع الأمنية والسياسية, حيث طالب قبل اطلاق النار على العرب بقطع المياه والكهرباء عنهم, ومحاصرتهم ومنع دخول أو خروج أي عربي من المدن والقرى الفلسطينية, بما في ذلك امدادات الغذاء, ثم بضرورة قتل كل العرب, وترحيل المتواجدين منهم داخل اسرائيل إلى الدول المجاورة, بالقائهم على الحدود. ويعتبر ايتان ان الاسلوب الأمثل للتعامل مع انتفاضة الأقصى يتمثل في عمليات (السحق والابادة) للمدن والقرى التي تخرج منها مظاهرات الفلسطينيين. كما ان رموز حزب شاس اليميني المتطرف, والأحزاب اليمينية الصغيرة, ستحرص جميعها على دخول حكومة طوارئ, لانها جميعا تخشى حاليا من دخول معركة انتخابية جديدة, ليست مؤهلة سياسيا وماديا لخوضها, خاصة مع الاحتمالات القوية لعودة نتانياهو لزعامة الليكود مرة أخرى. خطة (ميدان الأشواك) لم تفاجئ الانتفاضة الفلسطينية الأجهزة أجهزة المخابرات الإسرائيلية, فقد كانت واردة في تقديراتها في ضوء الاحتمالات القوية لتعثر عملية السلام, ونفاذ صبر الفلسطينيين من مناورات الحكومات الإسرائيلية المتتالية, وتهربها من تنفيذ مستحقات المرحلة الانتقالية, ثم تعنت حكومة باراك بشأن القدس, وانكشاف المستور فيما يتعلق باصرار إسرائيل على السيطرة على الحرم القدسي الشريف الذي يضم مسجدي الأقصى والصخرة. لذلك تحسبت الحكومة والجيش الإسرائيليين جيدا لهذه الانتفاضة, لا سيما بعد أن تأكد للجميع ان عملية أوسلو قد لفظت أنفاسها. فقد أعدت رئاسة الأركان الإسرائيلية خطة لمواجهة الانتفاضة في حالة نشوبها أطلقت عليها (ميدان الاشواك) تشمل في جوهرها اعادة احتلال المدن والأراضي الفلسطينية التي تم الانسحاب منها, وفرض الحكم العسكري عليها بعد اعتقال قادة السلطة الفلسطينية والأحزاب المعارضة خاصة منظمتي حماس والجهاد, وباقي رموز الانتفاضة في حركة فتح وغيرها, خاصة إذا ما أعلنت السلطة الفلسطينية قيام الدولة بشكل أحادي من جانبها. وهذه الخطة تم اعدادها في عام 97, وأجري التدريب عليها عدة مرات وتشمل عدة مراحل على النحو التالي: أ ــ حصار وعزل كاملان للمدن الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة, بعد قطع المياه والكهرباء عنها, وذلك بنشر قوات مدرعة اسرائيلية وميكانيكية على مداخل ومخارج المدن والقرى, على خطوط التماس مع الفلسطينيين, ومناطق الحدود مع الأردن ومصر ولبنان وسوريا لمنع وصول أية تدعيمات من خارج الأراضي الفلسطينية إلى داخلها. ب ــ اخلاء المستوطنات الإسرائيلية المنعزلة من السكان, ونقلهم إلى الكتل الاستيطانية الكبيرة التي تدافع عنها القوات الإسرائيلية من الخارج وبالمستوطنين المسلحين من الداخل. جـ ــ استخدام القناصة في اصطياد قادة المظاهرات, مع دفع عناصر مخابراتية تحت أغطية فلسطينية وسط المظاهرات لتصفية قادتها من الفلسطينيين. د ــ دفع مجموعات اغتيال وتخريب تابعة للمخابرات الإسرائيلية إلى داخل مناطق الحكم الذاتي لاغتيال مسئولي منظمة التحرير الفلسطينية, ونسف مقارها ومنشآت البنية التحتية. هـ ــ استخدام الهليوكبترات المسلحة في تدمير المنشآت والمباني داخل المدن والقرى الفلسطينية, خاصة التابعة للسلطة الفلسطينية, كذلك في فض المظاهرات باستخدام الذخائر التقليدية والقنابل الارتجاجية ذات التفجير الحجمي لاحداث أكبر حجم من الخسائر المادية والبشرية. و ــ استخدام نيران المدفعية والدبابات عند مداخل المدن الفلسطينية لفتح الثغرات التي تسمح للمشاة الإسرائيليين باقتحام المدن والقرى, وفرض السيطرة الأمنية عليها بعد اعتقال وتصفية زعماء المقاومة ورموز السلطة الفلسطينية. ز ــ اخلاء المناطق التي يسكنها الفلسطينيون من سكانها, خاصة تلك المتاخمة للمستوطنات والأحياء اليهودية, مثل الخليل والقدس, مع طرد أعداد ضخمة من عرب إسرائيل إلى خارجها لزيادة متاعب السلطة الفلسطينية. كما تستهدف هذه الخطة بناء حاجز أمني محصن يفصل بين مقاطعة الحكم الذاتي وأراضي اسرائيل, وهو ما يعني فرض التصور الاسرائيلي للأوضاع النهائية مع الفلسطينيين, وما يعنيه ذلك من ضم أراضي فلسطينية, واحاطة المستوطنات بنطاقات أمنية تتبع اسرائيل, وضم مصادر المياه إليها, من جانب واحد ودون التشاور مع الفلسطينيين. ويعيب هذا الجزء من الخطة ــ والمتعلق بالفصل بين اسرائيل والأراضي الفلسطينية, انه من الصعب ماديا تحقيق ذلك في الضفة الغربية, وان كان من الممكن تحقيقه بالنسبة لقطاع غزة الذي يشكل بمدنه رفح وخانيونس ودير البلح حزاما متكاملا جنوب إسرائيل, يمكن فصله عنها. أما في الضفة فإن الوضع يختلف بالنسبة للالتحام الجغرافي والسكاني مع إسرائيل والمستوطنات المقامة داخل مناطق الحكم الذاتي سواء حول المدن الفلسطينية أو داخلها, بحذاء الخط الأخضر أو في هضبة المشرون أو في غور الأردن, ناهيك عن كون هذا الفصل يعني وقف حركة العمال والبضاعة من وإلى اسرائيل, إلا من خلال بوابات أمنية تسيطر عليها القوات الإسرائيلية وسيكون هذا الحاجز الأمني مجهزا بمواقع هندسية وأجهزة إنذار ومرابض أسلحة ومعدات مراقبة نهارية وليلية, بالاضافة لدوريات متحركة بمد طول الخط الذي قد يصل إلى 300 كم ويتكلف 250 مليون دولار. وقد أمر باراك بتشكيل لجنة برئاسة (آفي في بساط) مدير عام وزارة المالية تضم مختلف الوزارات من أجل دراسة كيفية تنفيذ خطة الفصل هذه, وتأثيراتها الاقتصادية, بما في ذلك فصل الضفة وغزة عن إسرائيل من ناحية شبكات الكهرباء والمياه والعمالة الفلسطينية المقدر عددهم بـ 110 آلاف عامل يعيلون أكثر من ربع سكان الضفة وغزة, وما يعنيه ذلك من تدمير اقتصادي واجتماعي للكيان الفلسطيني, خاصة إذا لم تبادر الدول العربية إلى فتح أسواقها لاستيعاب العمالة الفلسطينية وتوفير سبل العيش للشباب الفلسطيني. وتعد هذه الخطة تكريسا للحل الإسرائيلي السياسي المنفرد للمشكلة الفلسطينية, وما يعنيه ذلك من ضم جميع الأراضي التي تقع عليها 80% من المستوطنات إلى اسرائيل, وهي التكتلات الاستيطانية ذات الطابع الاستراتيجي مثل (معالية أدوميم) شرق القدس (ارئيل) جنوب نابلس, (كريات أربع) شرق الخليل, (جفعات زئىف) شمال غرب القدس, (عشيون) جنوب غرب بيت لحم, (كريات سفير) غرب رام الله, وهي التي يقيم بها 80% من المستوطنين الاسرائيليين في أراضي الضفة الغربية, يقدر عددهم بحوالي 40 ألف مستوطن. وإذا كان بعض الخبراء الإسرائيليين يجادلون في جدوى تفكيك المستوطنات المنعزلة دون الانسحاب من المواقع الاسرائيلية, فإن معظم الخبراء يشككون أيضا في امكانية نجاح القوات الإسرائيلية في توفير الأمن للكتل الاستيطانية التي ستشكل بروزات واضحة في التواصل الجغرفي الإسرائيلي, وبما يشكل عبئا على هذه القوات كما يعرضها للمخاطر, ناهيك عما تشكله هذه المستوطنات لسكانها من (جيتوات) منعزلة ستكون مغلقة إلى الأبد, وأعباء مالية اضافية على الاقتصاد الاسرائيلي. خبير استراتيجي مصري