المساعي التي تبذل لاصلاح خلل التركيبة السكانية كثيرة, سواء كانت على المستوى الحكومي الرسمي أو على مستوى الأفراد, فبلا شك هناك صحوة إلى درجة ما تجاه هذه الاشكالية, والشعور العام بخطورة، الوضع السكاني يتزايد لدى الجميع, ومن هنا تأسست لجنة التركيبة السكانية برئاسة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولجنة أخرى انبثقت عن المجلس الوطني في مناقشته الأخيرة للظاهرة, هذا إلى جانب جهود تبذلها وزارة العمل والهجرة والاعلام وكثير من الأقلام الحريصة. وفي أكثر من مناسبة سئل فيها سمو الشيخ محمد بن راشد عن مآزق الوضع المختل سكانيا في الامارات كان جوابه بأن الوضع السكاني الحالي بكل اختناقاته وصعوباته جاء نتيجة تراكم سنوات من الخلل والأوضاع التي قادت لكل هذا التواجد الأجنبي في الدولة, وان حل هذه المعضلة يحتاج أيضا لسنوات من الجهد والتخطيط. المشكلة السكانية لدينا ليست ظاهرة طارئة نكتشفها اليوم بطريقة الصدفة, فكلنا على وعي تام بأن هذه المشكلة ــ كما ذكر سمو ولي عهد دبي ــ تأسست على قاعدة من الأخطاء والاحتياجات وهي باقية وستبقى زمنا طويلا مستفيدة من هذه الخلفية التي قامت عليها, ومن عقلية نفعية تتحكم في العديد من الأفراد تغذي وجود هذه الظاهرة وتنميها لانها تستفيد منها, بغض النظر عن مدى جدوى وجودها ومردوده النفعي للمجتمع. وعليه فإن تأسيس القوانين وفك شيفرة الاحتياجات, وغسيل الأدمغة النفعية, واصلاح القاعدة المنهارة أمور تحتاج إلى زمن ليس بالقصير أبدا انتظارا أو بحثا عن مخرج, وزمن الانتظار في حياة المجتمعات العربية طويل وموفور أكثر من أي شيء آخر, ونرجو ألا يكون انتظارنا من ذلك النوع. فما يصلنا بين آن وآخر يشير إلى ان حركة ما تحدث في كواليس المجلس الوطني ضمن اللجان المكلفة بالنظر في اشكالية التركيبة السكانية ووضع تصور لكافة مخاطرها وتحدياتها المستقبلية, خاصة فيما يتعلق بحقوق العمال والاتفاقية التي اعتمدتها الأمم المتحدة بشأنهم, وهذه أخطر ما في القضية على الاطلاق, هذا التحرك جيد بحد ذاته حتى وان اعتبرناه بطيئا ومتعثرا قياسا بحساسية القضية, ومرد ذلك إلى ان الحراك الاجتماعي في بيئات العالم الثالث عادة ما يكون بطيئا بسبب أعداء الاصلاح وأصحاب المصالح الضيقة. لجنة الموارد البشرية برئاسة معالي أحمد حميد الطاير هي الأخرى تحارب على جبهة توطين المصارف والقطاع الخاص وهي تتحرك في بحر متلاطم يتحكم فيه كبار أصحاب المصارف, وقيام اللجنة بوضع نسبة محددة للتوطين تكون ملزمة للمصارف حل جيد يحتاج إلى آلية تنفيذ ورقابة وضبط قانوني. ان ما أعلنته بلدية دبي عن خطتها لرفع نسبة توطين الوظائف من 23% عام 1998 إلى 63% العام 2008 يصب في الطريق الصحيح لمواجهة خلل التركيبة السكانية والتوطين, حيث تعترف الخطة بوجود خلل متفاقم لا تتحدى أحدا بحله خلال أشهر مثلا ولكنها تخطط بعقلانية تامة وخلال عشر سنوات, وهذا هو المطلوب والصحيح, أن تكون عالما بتفاصيلها وجذورها واستحقاقاتها, ان تتعامل معها بحذر وجدية, ومن ثم تخطط وعلى مدى زمني محدد للتخلص منها. هذا ما يمكن أن تفعله أكثر من جهة حكومية وخاصة لو انها تضافرت ونظرت إلى حقل التربية والتعليم أو المدارس تحديدا, فهناك حيث الآلاف المؤلفة من الطلاب المواطنين يكمن حل آخر مستقبلي لخلل التركيبة واشكالية التوطين.