كانت العاصمة من عين السماء وانا القي عليها نظرة من نافذة الطائرة قبل هبوطها اشبه بامبراطورية شاسعة قد قررت بعد تعب مئات السنين ان تستريح على شاطئ البحر الابيض المتوسط فبدت كحورية بيضاء تتكئ على صخرة بحرية قديمة تداعب البحر فتهاجر اليها جميع الموانئ. اما على الارض فهذه هي الجزائر العاصمة بمبانيها البيضاء الشاهدة على مقاومة الاستعمار الفرنسي تروي بمعالمها الاسرار والحكايات والوقائع الاسطورية حول تاريخ الأمة ومجاهديها. وها هم ابناؤها يؤكدون عروبتهم ويمارسون دون تكلف طقوس العروبة والاسلام وبشكل سلوكي ويومي, وتأتي اهمية هذا للتأكيد على فشل محاولات التغريب التي قام بها المستعمر الفرنسي على مدى 130 عاماً من (الفرنسة) وتدمير الهوية العربية الجزائرية. في الجزائر العاصمة حيث الشوارع نالت شرف تسميتها بأسماء المجاهدين امثال الامير عبدالقادر الجزائري, يستيقظ اهلها باكراً لتغفو ايضاً باكراً, في هذه المدينة الخضراء مترامية الاطراف ثمة منازل قديمة تعود الى مئات السنين, وما يدهش فيها ان اهلها يرممونها ويواصلون الحياة فيها حيث يناولون الزمن والعروبة لأحفادهم جيلاً بعد جيل, تماماً كما تناولوها اجدادهم القدامى, فلا عجب ان تروي لنا احدى العجائز علاقتها الروحانية باحدى اشجار المنزل التي يعود عمرها الى 300 عام وكيف انها دائماً تتفيأ بظلها لتردد الأهازيج الشعبية التي تؤكد العروبة ومواصلة الكفاح والجهاد, عند ذلك فقط اجتاحني عبق الاندلس وملأ انفي غبار معارك الفتوحات الاسلامية حينذاك أمة تكتنفها ذاكرة خضراء وتنهل من ماضيها العبرة والحكمة المخضبة بدماء مليون ونصف المليون شهيد لا يمكن ان يمحوها التغريب او التشويه او يعزلها جنون التطرف والارهاب, فهي باقية ما بقيت الحورية البيضاء الجميلة تحضن بذراعيها دفء العروبة في (المتوسط).