أوشكت شمس ذلك اليوم على المغيب والفتى لما يغادر مكانه امام البحر متأملاً لحظة الغروب, يعيشها بكل كيانه لم يكن عاشقاً متيماً كي تذهب بنا الظنون الى انه يعيش حالة مناجاة وجدانية او يستحضر صورة الحبيبة ليبثها لواعج شوقه او يبعث لها مع النوارس المهاجرة ترانيم عشقه, فقد كانت سنه الصغيرة تحول دون تفتح مداركه على مثل هذه الامور, فمن هم في مثل عمره الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة لا يشغلهم عادة سوى اللعب والاستمتاع بالطفولة ومحاولة تقليص ساعات الدراسة قدر الامكان لاستغلال ما يتبقى من ساعات اليوم في اللعب برفقة الأقران والرفاق, والانطلاق في منافسات يكون الفوز في بعضها للفريق الذي ينتمي اليه وتكون الخسارة احياناً من نصيبه, ورغم ما يصاحب الخسارة من كدر وتعكر في المزاج الا ان الصغار في هذه السن سرعان ما يتجاوزون مثل هذه الحالة اذا ما حققوا فوزاً يعوض الخسارة او انتقلوا الى لعبة اخرى تنسيهم خسارتهم في اللعبة السابقة, هكذا كان يبدأ اليوم وينتهي بالنسبة للصغار في اواخر الستينيات من القرن العشرين وأوائل السبعينيات منه, ورغم انشغال الأطفال بدراستهم ولعبهم الا ان اصواتاً ونقاشات كانت تدور بين الكبار اخذت تحتل جزءاً من اهتمام الصغار, وها هي مسميات ومصطلحات لم يألفوها بدأت تتردد على الألسن ويتداولها الناس في مجالسهم, فثمة حركة غير عادية واجتماعات تعقد هنا وهناك تتحدث عن (الاتحاد التساعي) او (السباعي) وعن دولة واحدة تجمع الامارات المتناثرة على امتداد ساحل الخليج العربي وعن علم واحد وعملة واحدة وأشياء كثيرة لم تكن العقول الصغيرة تلك قادرة على استيعابها او فهم ابعادها, غير ان الشيء الوحيد الذي كان الفتى الصغير ورفاقه متأكدين منه كل التأكد, ويكاد يقترب من الايمان الذي لا يتزعزع هو انه لا سبيل لنهضة هذه الارض وتقدمها وانطلاقها للأمام كي تلحق بركب الدول التي سبقتها سوى هذا (الاتحاد) او (الوحدة) التي يبحثونها ويتحدث الجميع عنها, كان هذا ما فهمه الصغار من ذويهم الكبار وتيقنوا منه دون ان يدخلوا في تفاصيله. كانت كل المؤشرات حولهم تقول ان هذه البقعة من الوطن العربي تعيش ارهاصات نقلة كبرى في تاريخها وحياة شعبها, فقد حباها الله نعمة كبرى بعد سنوات طويلة من الفقر والمعاناة وشظف العيش, كما حباها موقعاً كانت له اهميته لدى الدول التي لها مصالح في الهند وشرق آسيا, وكانت انظار العالم كلها موجهة الى منطقة الخليج والجزيرة العربية حيث تفجرت ثروة النفط مشكلة عصب الحياة ومصدر الطاقة للعالم المتقدم الذي ينظر اليها باعتبارها مصدر الدفء له في ليالي الشتاء الباردة, والوقود الذي يسير آلاته على الارض وفي البحر والجو, وهكذا غدا أهلها الطيبون البسطاء قليلو العدد شركاء دون ارادة وتخطيط منهم اللهم الا ارادة وتخطيط الخالق الذي اراد ان يعوضهم سنوات الحرمان التي عاشوها في ارض لا ينبت فيها زرع ولا يدر فيها ضرع. كانت هذه الافكار تدور في ذهن الصبي الصغير بانتظار سماع اذان المغرب كي يتوجه الى المسجد لأداء الصلاة, فهو يعرف جيداً العواقب الوخيمة فيما لو انقضت الصلاة وتلفت والده حوله فلم يجده ضمن صفوف المصلين, هكذا كان الاباء يربون ابناءهم على النسق نفسه الذي تربوا عليه, ولذلك فما ان اختفى قرص الشمس خلف مياه البحر حتى كان يأخذ طريقه الى المسجد وصوت الاذان يتناهى الى سمعه معلناً انتهاء يوم وحلول الظلام بانتظار انبلاج فجر يوم جديد يحمل لأهل هذه الارض اخباراً سارة طال انتظار سماعها منذ ان بدأت تلك الاجتماعات التي تابعها الجميع والأمل والتفاؤل يملأ نفوسهم.. تلك النفوس التي تاقت الى تغيير الواقع والانتقال الى عهد جديد مختلف في كل شيء. هكذا انقضت ايام احد عشر شهراً من عام 1971 حتى جاء ذلك اليوم الاغر الذي اشرقت شمسه لتعلن ميلاد عهد جديد لشعب طال انتظاره لذلك الحدث ولكنه انتظار لم يعرف اليأس يوماً ولم يخامر اصحابه ادنى شك في ان اللحظة التاريخية قادمة لا محالة طالما حمل امانة الوصول اليها قادة استطاعوا تجاوز الكثير من العقبات التي كان من الممكن ان تعيق مسيرتها وهي تزيح عن كاهلها ارث سنوات من التفرق لم يتمكن ــ رغم المخاوف التي اضفاها على جو محاولات لم الشمل ــ ان يشكل حاجزاً يحول دون ارادة شعب وعزيمة قادة رموا كل المخاوف المطروحة خلف ظهورهم, وكان خيارهم الذي لم يرضوا به بديلاً هو طريق الوحدة والتجمع والانضواء تحت علم واحد في ظل دولة واحدة, ومن اجل هذا الهدف عملوا وسهروا وجدوا. كانت المعركة معركة سباق مع الزمن حاولوا ان يعوضوا خلالها سنوات توقفت فيها عقارب الساعة في هذا الجزء من الكرة الأرضية فكان الانجاز اكبر من معجزة راهن الجميع الى ان تحقيقها اكثر من مستحيل, ولكن القادة المخلصين والشعب الذي قبل التحدي اصروا على ان تحقيق المعجزات ممكن اذا صدقت النوايا وتوفرت الارادة. هكذا سجل التاريخ تلك اللحظة يوم الثاني من ديسمبر عام 1971.. ليصبح ذلك اليوم يوماً ليس كبقية الأيام.. انه يوم تحقيق الحلم وانتصار الارادة وتتويج جهود سنوات من البحث عن الطريق الأمثل لنهضة عظيمة تطلع لها شعب أبي وعاشها حلماً يكبر يوماً بعد يوم, لكن ما تحقق كان اروع كثيراً من الحلم, وكان انجازاً بحجم الطموح وأكبر, وكان خير مكافأة للشعب الذي صبر واخلص وللقادة الذين ضحوا وعملوا. ولئن كان ذلك قد تحقق بمباركة وتأييد من الشعب فإن الرجال الذين وقفوا خلفه كانوا عظاماً ذوي همم عالية, وسيسجل التاريخ بحروف من نور اسماء اولئك القادة الذين اجتمعوا ليعلنوا قيام دولة الاتحاد ولن تنسى الأجيال التي عاصرت الحدث وتلك التي ولدت في ظل الاتحاد اسماء صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وأخيه المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم واخوانهما أصحاب السمو حكام الامارات الذين جمعتهم تلك الصورة الشهيرة صورة رفع العلم وستحمل القلوب لهم حباً لا أدل عليه من هذه المشاعر التي تتدفق عفو الخاطر من ابناء شعب الامارات الذين يعبرون هذه الايام بكل وسيلة عن الفرحة التي تغمر قلوبهم بالعودة الميمونة لصاحب السمو رئيس الدولة مشافى معافى.. هذا الشعب الذي امتزج حب زايد بالدماء التي تجري في عروقه فلم يعد زايد مجرد رئيس دولة يحكم بنص دستور متفق عليه, وانما غدا هو الوطن وهو الملاذ وهو الرمز وهو الهواء الذي يتنفسه شعب الامارات.. اذا اعتل حبس الجميع انفاسهم قلقاً على صحة سموه.. واذا زفت لهم البشرى بشفائه عادت الابتسامة الى الوجوه وعادت البهجة الى النفوس وتنفس الوطن عبير الفرح. حفظ الله زايد للوطن وحفظ الوطن في حمى زايد, اما تلك الأجيال التي ولدت وترعرعت في ظل دولة الاتحاد فسيبقى زايد بالنسبة لها هو الأب الحاني, وستظل ترى شمسه مشرقة لا تعرف للغروب طريقاً طالما جعلت من زايد مثلها الأعلى الذي سطعت شمسه ذات يوم في سماء الوطن لتظل مضيئة لا تحتجب ولا تغيب.