عندما يحل موسم الانتخابات الاسرائيلية الجديدة خلال بضعة شهور سوف يكون هناك ثلاثة مرشحين لمنصب رئيس الوزراء: ايهود باراك من (حزب العمل).. وكل من الجنرال ارييل شارون وبنيامين نتانياهو هو من كتلة (الليكود). ثلاثتهم يعتنقون مبدأ استخدام العنف الوحشي الابادي ضد الفلسطينيين. لكن هنا نواجه صورة غريبة. فبالرغم من ان قوات الجيش الاسرائيلي توظف فعلا, ووفق توجيهات رئيس الحكومة الراهنة باراك, قدرا من العنف الوحشي المفرط في مواجهة جموع الشباب الفلسطيني الذين لا يتوافر لديهم سوى عدد ضئيل جدا من اسلحة نارية متخلفة الا ان كلا من شارون ونتانياهو يتهمان الجنرال باراك بالرخاوة والتهاون تجاه الفلسطينيين سواء على مستوى المعركة الميدانية او المائدة التفاوضية. معنى هذا ان محور التنافس بين هذه الشخصيات القيادية الثلاث في الانتخابات المرتقبة سوف ينحصر في مزايدات محمومة وجنونية حول من اشدهم دموية وقسوة تجاه انتفاضة الشعب الفلسطيني.. خاصة ان ايا من شارون ونتانياهو لم يتقدم بأي تصور لكيفية احلال سلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين. مثل هذا الافلاس السياسي الناتج عن عقدة خوف ينتظم المجتمع الاسرائيلي بأسره من الانتفاضة والمستقبل والتعايش مع الفلسطينيين هو الذي كان سائدا في فرنسا قرب نهاية عقد الخمسينيات تجاه الغليان المتصاعد في الجزائر وتداعياته القاتلة داخل فرنسا نفسها. ومع استمرار انهيار المعنويات في فرنسا وانغماس القادة السياسيين يمينهم ويسارهم ووسطهم في تبادل الاتهامات فيما بينهم وفوران الشارع تعبيرا عن طلب الخلاص العاجل من (المستنقع الجزائري) برزت الحاجة الى قائد منقذ ذى شخصية ذات بصيرة تتسامى على المناورات الحزبية وتملك قدرا كافيا من الشجاعة لمواجهة الازمة بروح حازمة متحررة من العقد. وهكذا خطا الجنرال شارل ديجول الى السلطة في عام 1958 باعتباره الزعيم الاوحد الذي يملك مؤهلات التجاوب مع نداء التاريخ والعصر. ودخل ديجول على الفور في تفاوض سري مع قادة الثوار الجزائريين. وبسند شعبي قوي قدم ما ارتأه لازما من تنازلات فرنسية لانجاح العملية التفاوضية. ومع تقدم المفاوضات السرية قرر الطرفان الخروج الى العلنية فكان عقد مؤتمر ايفيان للسلام عام 1961. وفي عام 1962 جرى تسوية القضية بالكامل في اطار (اتفاقية ايفيان) التي تضمنت الاستقلال الوطني الكامل للجزائر واعتراف فرنسا به. ولم يكن جهاد ديجول من اجل السلام بلا معارك جانبية من (القوى ذات المصلحة). فقد خاض الجنرال معركة سياسية ضد المتعصبين من المستوطنين الفرنسيين في الجزائر واخرى عسكرية قتالية ضد قسم من قادة القوة العسكرية الفرنسية المقاتلة في الجزائر. وحقق نصرا حاسما على كلا الجبهتين. فهل يعي قادة اسرائيل هذا الدرس المتضمن في صفحات التاريخ القريب؟ أم يواصلون الانهماك في لعبة الاقتتال السياسي الداخلي ويستمرئون المعاندة العصبية ضد تيار التاريخ الحتمي والجارف؟